الطفل عمر والجندي الإسرائيلي

عرض المقال
الطفل عمر والجندي الإسرائيلي
329 زائر
17/09/2007
غير معروف
عيسى الأشهب
"ولدي عمر, أريدك أن تحافظ على صحتك وتنتبه لدروسك؛ وأرجو أن تتم صيام شهر رمضان كاملا هذا العام"، كانت هذه آخر كلمات سمعها عمر من أبيه عندما ودّعه حيث كان متوجها لقضاء العمرة في شهر رمضان. وبعد قبلة دافئة تركت بها أم عمر طفلها الذي مضى من عمره ثمان أعوام فقط, انفجر عمر بالبكاء وهو يخط طريقه نحو السيارة مع أخته وعمه ليعودوا إلى البيت.

وبعد سفر ساعات في الليل، وصل عمر بيته الذي ملأ بالوحدة حيث تركه والداه, دخل في فراشه وغط في نوم عميق إلى أن استيقظ على صوت أخته "زينب" في صباح اليوم التالي توقظه من نومه ليذهب إلى المدرسة, وبخطى بطيئة ترك فراشه متوجها إلى حوض الماء ليغسل وجهه, كانت رؤيته إلى الماء يصب من الصنبورة مشهدا لا يقاوم, تاقت نفسه إلى أن يسكت لهيب عطشه, ولكنه تذكر وعده لأبيه بأن يتم صيام الشهر كاملا, عندها اكتفى بغسل وجهه ولبس ملابسه ثم حمل حقيبته الثقيلة على ظهره بصعوبة وغادر البيت متجها إلى مدرسته، شعر عمر أنه أمضى يوما طويلا جدا في المدرسة, وكان ينتظر اللحظة التي ينتهي فيها دوامه, لكنه لم يكن يعرف ما ينتظره من احداث, ومثل كل يوم سلك عمر الطريق ذاته الذي اعتاد عليه ليوصله إلى بيته.

وفجأة ابتسم بعد أن لاحت في باله فكرة، عزم عمر أن يذهب إلى سوق القرية ليشتري لأخته طبقها المفضل من الحلويات, أراد أن يدخل السرور إلى قلبها في شهر رمضان, وبعد أن انتظر طويلا في الطابور, مد يده في جيبه وأخرج كل ما كان يدخره في ذلك الأسبوع, ودفعه ثمنا لطبق الحلوى قائلا للبائع مبتسما وبصوت خافت "نصف كيلوا قطائف لو سمحت !!".

خرج عمر من المحل وهو يحمل الطبق بين يده, كان يمشي مسرعا جدا, يريد أن يرى أخته مسرورا بمفاجآته, لأنه يعرف أنها تحب هذه الحلوى وكانت صورة وجه أخته وهي مبتسمة أمامه وهو يجري في الطريق, وفجأة بدأت خطواته تبطئ شيئأ فشيئأ بعد أن رأى منظرا كان لا يشعر بالارتياح أبدا كلما رآه, رأى مجموعة من الجيش الاسرائيلي يقفون على جانب الطريق, كانوا يحدّقون به في تأمّل, متسائلين عن سبب البهجة الظاهرة على وجهه والتي لم يطب لهم أن تدوم طويلا, وتسمّر عمر في مكانه بعد أن رأى أحدهم يتقدم باتجاهه حاملا سلاحه, وقف الجندي أمامه تماما, لم ير عمر شيئا سوى فوهة البندقية التي استقرت أمام أنفه, لم يكن يدري ماالذي يجري, عندها شعر عمر بحرارة على وجهه تختلف عن تلك التي تركتها قبلة أمه على خده, كانت تلك صفعة أحرقت وجهه دون أن يعرف ما السبب, وبعدها قاده الجندي إلى الحائط وعمر يمسك بطبق الحلوى بكل قوته, لأنه لا يريد أن يفوت على نفسه رؤية أخته وهي
تأكل منه مسرورة, كان هذا الطبق هو المفاجأة التي اعدها لها وادّخر لها كل مصروف جيبه لأسبوع كامل.

وفي البرد القارص أجبر عمر على الوقوف ثلاث ساعات, وهو ينتظر وينتظر, ويحاول أن يثبّت نفسه بعد أن شعر أن قدميه لم تعد تستطيع حمله وحمل حقيبته الثقيلة على ظهره والتي منعه الجنود من أن ينزلها على الأرض ليرتاح, وبدأ يشعر بالجوع والعطش, شعور لم يجرّبه من قبل, إلا أنه بقي صامدا ولم ييأس , وقبل أن يترك الجنود المكان, تقدم إليه جندي وخطف الطبق من بين يدي عمر وألقاه على الارض ثم رفسه برجله, عندها تركوه وهم يضحكون, ولم يسع عمر في تلك اللحظة إلا أن ينفجر باكيا حين رأى فرحته تهدر وتتمزق وتلطخت بالوحل والأوساخ, لم يبك بسبب الألم أو الجوع أو الخوف, ولكنه بكى عندما تذكر وجه "زينب" التي ستلقاه فارغ اليدين، ولم يكن يدري ماذا سيقول لها حينها.

وحال وصوله إلي بيته قبل أذان المغرب بقليل, سمعت أخته صوت يد صغيرة تنقر على باب البيت, فانطلقت مسرعة حتى تستقبل أخاها الذي أمضت اليوم وهي تنتظره ولا تعرف سبب غيابه وتأخره, فتحت زينب الباب لترى مشهدا مفزعا, رأت أخاها يقف بالباب يلهث من شدة العطش, وقد اصفر وجهه وآثار الدموع والدم الذي سال من فمه بعد ان لطموه الجنود على وجهه، كاد يسقط على الارض, فأمسكت به وأدخلته وبدأت تنظف ثيابه وجسده, وهي تبكي بعد أن روى لها ما حدث له.

وجلس عمر وزينب إلى جانب المذياع ينتظران سماع كلمة "الله اكبر" لينهيا صيام أول يوم من شهر رمضان والذي لم يذكرا منه إلا الجوع والعطش والدموع التي ذرفاها, كان ذلك يوما سيئا بكل معنى الكلمة, حيث تجمعت على عمر أحزان غياب والديه عن مائدة افطاره, وأحداث يوم عصيب لا يريد أن يتذكرها لأنها أفسدت عليه يومه وملأت قلبه حزنا.

في هذه الأثناء يسمع عمر صوت رجل يدق الباب, فذهب ليستقبل ضيفا لم يكن يتوقعه, فتح الباب ليرى جاره أبو نبيل يحمل بين يديه وعاءا مغطا بقطعة قماش, فتذكر عمر هذا التقليد الإسلامي الذي اعتاد عليه من جاره في كل رمضان, بعد أن أخذ عمر الطبق وودع جاره وأغلق باب بيته, رجع ليجلس على المائدة. وما كاد أن يكشف عن الوعاء حتى تغيرت معالم وجهه واختفت آثار الحزن التي اتسم بها طوال اليوم وصرخ مناديا على أخته. كان ذلك طبق "قطائف" أحضره له جارهم ابو نبيل, نظرت زينب في داخل الوعاء وسألته بتعجب, من اين اتيت بهذا؟
فنظر اليها بعد ان فكر وقليلا وأجابها وهو يطير من الفرح, هذه هديتي لكي في شهر رمضان!

راوي القصة: عيسى الأشهب
عم عمر الأشهب
القدس - فلسطيــن
   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
31-12-1969 (عضو)

رامى

ممتاز المقالة هذه
[ 1 ]
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 1 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المقال السابقة
المقالات المتشابهة المقال التالية
جديد المقالات
جديد المقالات
عمالقة 2011 - العالم اليوم
بصراحة حقيقة المشكلة في مصر - مقالات أ. حسنى عويدات
القائمة الرئيسية
استطلاع رأي
ماتقييمك لشكل الموقع الجديد ؟
جيد جدا
جيد
مقبول
يحتاج تطوير
عدد الزوار
انت الزائر :169003
[يتصفح الموقع حالياً [ 24
الاعضاء :0 الزوار :24
تفاصيل المتواجدون