الإسلام ملاذ البشرية جمعاء

عرض المقال
الإسلام ملاذ البشرية جمعاء
293 زائر
24/09/2007
غير معروف
http://www.hodaway.com/main/upload/hodaway_logo.jpg
الإسلام ملاذ البشرية جمعاء

للداعية الإسلامي / فتحي يكن
إن كان من كلام في هذا الفصل فإنما يتعلق بالمخرج الأكيد الذي يملك إخراج البشرية من هذا النفق المظلم الطويل.. يتعلق بالحل الذي يملك بالفعل حل مشاكل الإنسان ويريحه من معاناته المزمنة والمريرة

لقد ركبت البشرية كل مركب، وامتطت كل ظهر، فلم تبلغ ضالتها أو تحقق منشودها على أي منها.

جربت البشرية طوال هذا القرن أن تستغني عن ربها وأن تحل مشاكلها بنفسها من غير استهداء برسالة أو إتباع لرسول...

اصطنعت أنظمة.. ووضعت فلسفات.. ابتكرت مناهج ونظريات فماذا كانت النتيجة؟.

الحضارة الغربية التي يعتد بها الغربيون أنتجت (المخدرات) و(الإيدز) وأشاعت القلق بالرغم من كل الإشباعات المادية التي وفرتها للإنسان.

النظرية الشيوعية بكل مناهجها ومدارسها المتعددة تسببت بجوعة مريرة للإنسان في بطنه وروحه، فلا هي أشبعته حسياً ولا هي أغنته نفسياً.

تجارب كثيرة، وعلى مدى من الزمن طويل، مرت بالإنسان، والنتيجة كانت واحدة... النتيجة كانت مزيداً من المعاناة في شتى الميادين ومختلف الصُعد.. وكان الإنسان في النهاية هو الضحية وكان عليه في النهاية أن يتلقى نتيجة التجارب الفاشلة الواحدة بعد الأخرى.

والإنسان الذي قدر له أن يعيش في حقل التجربة الشيوعية كانت مصيبته أكبر، وخسارته أفدح، وحظه أسوأ، فلا هو ظفر بالدنيا ولا هو أبقى على الدين، لقد خسر الاثنين وذلك هو الخسران المبين.

كانت الشيوعية وأربابها يمنون الناس بالجنة الدنيوية الموعودة.. بالعيش الرغيد.. والرزق الموفور، والأمن المنشور، والدر المنثور.

كانوا يحدثونهم عن المعادلة الاجتماعية، وانتفاء الطبقية، وحقيقة المساواة والحرية..

وفجأة خابت الآمال، وانهارت الأحلام، وتحجرت الكلمات وسقطت الشعارات واستحالت الجنة جحيماً وبؤساً وشقاء ذاق الناس طعمه على مدى سبعين عاماً.

وكان لابد من الانفجار في النهاية بالرغم من كل محاولات الترميم والتحسين والتجميل.. وقامت قيامة الناس في دول أوربا الشرقية وجمهوريات الاتحاد السوفيتي، وانطلق نزلاء السجن الشيوعي كالإعصار يحطمون كل شيء. إنهم يفتشون عن ذواتهم وإنسانيتهم وحريتهم وإن كانوا حتى هذه اللحظة لا يعرفون حقيقة ما ينفعهم ويسعدهم..

والحقيقة، إن الشعوب الهاربة من جحيم الشيوعية أمام خيار صعب.. فهي إما أن ترتمي من جديد في أحضان الرأسمالية، وتبتلعها الحضارة الغربية، وإما أن تحقق ذاتها وتستعيد إنسانيتها وتسترد فطرتها برسالة الإسلام.

إننا لن نأتي بجديد حين نقول هنا ونقرر بأن الإسلام هو طريق الخلاص الوحيد، وهو حبل النجاة الأوحد، وهو ملاذ البشرية جمعاء، وسبيلها المضمون الأكيد إلى ما تنشد من حرية وأمن وأمان وكفاية وعدل.

إن هذه الشعوب بحاجة إلى أن تعرف شيئاً عن الإسلام.. فهي تجهل الكثير عنه، وكل ما عرفته لا يعدو أن يكون صوراً مشوهة من النظريات أو التطبيقات التي لا تمت إلى الإسلام بصلة..

إن المكتبة الإسلامية تذخر بمجموعة من المؤلفات والكتب[1>)جديرة بأن تترجم إلى لغات هذه الشعوب ضمن منهج دعوي رسالي يهدف إلى تقديم المنهج الإسلامي إلى البشرية التائهة كبادرة إنقاذ بكل علمية وموضوعية وتجرد...



خصائص المنهج الإسلامي:

إن الإسلام يمتاز بخصائص ذاتية هي فواصل جذرية وفوارق أصيلة بينه وبين الاتجاهات والمذاهب الحديثة..

الحاكمية لله:

فالحاكمية في المنهج الإسلامي لله. لا لفرد، ولا لحزب ولا لشعب.

فلا ديكتاتورية لفرد... ولا تسلط لحزب... ولا حاكمية لشعب في تشريع الإسلام..

والحقيقة، إن معظم المظالم الاجتماعية والاقتصادية،، ومظاهر الاستبداد السياسي منشؤها خضوع الحاكمية لتشريع زمني وضعي ولسلطة بشرية...

فالنظام الديمقراطي يجعل الحاكمية للشعب.. ويجعله مصدر السلطات.. منه وإليه يعود كل أمر... وبذلك يكرس التميع (الفردي) والانتفاخ (الشخصي) مما لا يتحقق معه هيبة في الحكم أو أمن وسلام في المجتمع..

إن شعور الفرد في ظل النظام الديمقراطي بأنه مصدر القوانين والتشاريع ينمي فيه بواعث الاستهتار بالقوانين والتشاريع.. ويعطيه من أسباب السطوة ما يجعله قادراً بنفوذه الشخصي والمبادئ على تسخير السلطة لمصالحه ورغباته.. وبالتالي يمنحه حق التلاعب بالقوانين ووضعها بما يتلاءم مع أهوائه وأغراضه..

يقول (مارتن دِودج) في كتابه (أعرف مذهبك) صفحة 18 في معرض حديثه عن الديمقراطية: (وفكرة الديمقراطية تتلخص في أن يحكم الناس أنفسهم دون أن يكونوا رعايا. ذلك أن الناس لهم المقام الأول والصدارة. ثم تليهم في المرتبة الثانية السلطة الحاكمة. وفي ظل النظام الديمقراطي يحكم المجتمع نفسه من أجل نفسه).

أما النظام الشيوعي، فإنه يكرس حاكمية (الحزب الواحد) للأمة بأسرها.. وبذلك يعطي الحزب نفسه حق سن القوانين واستصدار التشاريع بما يكفل له البقاء والسيطرة في الحكم.. وهو بذلك نظام سياسي يقبض بمقتضاه (الحزب) على زمام السلطة في بلد يخضع أفراده عموماً لما يفرض عليهم وعلى شؤون حياتهم من إجراءات.

فالحزب الشيوعي في (روسيا) مثلاً، هو الحزب السياسي الوحيد والحاكم.. ومع ذلك فإنه لا يمثل الشعب الروسي، إذ يبلغ عدد أعضائه ستة ملايين فقط من أصل 180 مليوناً، وهي كما نرى نسبة ضئيلة جداً..

وبهذا لا يمكن أن تكون حاكمية (الحزب الواحد) في أي نظام من أنظمة الحكم مصدر استقرار وعدالة ومساواة. طالما أن الذين في أيديهم السلطة يخضعون كل شيء لمصالحهم الشخصية والحزبية.

وبين هذين الاتجاهين المتطرفين يقوم (المنهج الإسلامي) فوق قواعد تشريعية يخضع لها الحاكم والمحكوم على حد سواء.. وينصاع لها الكبير والصغير دونما تمايز أو تخصيص..

فالحاكمية في النظام الإسلامي ليست لشعب – كما هو الشأن في النظام (الديمقراطي) كما إنها ليست لحزب كما هو الحال في النظام (الشيوعي) وسائر الأنظمة (الاشتراكية) وهي كذلك ليست لفرد كما هو الأمر في النظم (الديكتاتورية) وإنما هي (لله) خالق الكون ومالكه. وهذا ما يقرره الدستور الإسلامي في كثير من آياته: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لله﴾ يوسف: 67. ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُه﴾ الشورى 10 ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ﴾ النساء: 105.

الإسلام يحقق هذه الحاكمية الربانية عن طريق (قانون إلهي) يتضمن الأحكام التي جاء بها القرآن الكريم وفسرتها وفصلتها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فالإسلام منهج متفرد في خصائصه.. لم تضع أحكامه ونظمه وتشريعاته أهواء حاكم أو مصلحة حزب.. وإنما وضعتها عدالة السماء.. فلا تمييز ولا محاباة، ولا أنانية ولا تحكم، ولا حزبية، ولا سطوة وإنما الجميع أمام شرع الله سواء..

عدالة لا تعرف ظلماً ولا عنتاً ولا تفاضل..

ومساواة تطبق على الجميع من غير محسوبيات أو استثناءات.

وحرية تشعر الإنسان بقيمته وكرامته (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً).

وهاكم بعض الشواهد من دستور الله الخالد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ للهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون﴾ المائدة: 8 ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْك﴾ المائدة: 49. ﴿فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقّ﴾ المائدة: 48.

وروى أن امرأة من بني مخزوم سرقت فقالت قريش: من يكلم فيها رسول الله أي ليضع عنها الحد. فلم يجدوا إلا (أسامة بن زيد) حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقوى على ذلك. فلما كلم أسامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بذلك، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: غاضباً: "أتشفع في حد من حدود الله يا أسامة" ثم قام وخطب الناس قائلاً: "أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم إنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد. وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يديها..".

ومن وصايا عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لسعد بن أبي وقاص: "إن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا طاعته. فالناس شريفهم ووضعيهم في ذات الله سواء". وفي وصيته للخليفة من بعده يقول: "أجعل الناس عندك سواء لا تبال على من وجب الحق. ثم لا تأخذك في الله لومة لائم وإياك والأثرة والمحاباة فيما ولاك الله..".

الشمول لا الجزئية:

ومن خصائص المنهج الإسلامي شموله وكليته.. فالإسلام ليس تصوراً (عقيدياً) فحسب.. ولا ديناً (عبادياً روحياً) وكفى.. ولا نظاماً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً مجرداً.. ولكنه منهج حياة. يجمع إلى رقة (التوجيه) دقة (التشريع) وإلى جلال (العقيدة) جمال (العبادة) وإلى إمامة (المحراب) قيادة (الحرب).

إن المنهج الإسلامي لم يكن ردة فعل لسوء أوضاع اقتصادية ليكون نظاماً شأن الماركسية وسائر المذاهب الاشتراكية.. كما إنه ليس مدرسة روحانية شأن المسيحية.

إن الإسلام منهج متكامل الجوانب شامل النظرة.. فيه تنظيم علاقة الفرد بنفسه.. وعلاقته بأسرته.. وعلاقة مجتمعه به.. وفيه بيان للأصول والقواعد التي تقوم عليها النظم والقوانين التي تحكم سير المجتمع والناس وفق نظرة الإسلام للكون والإنسان والحياة..

يقول جبيبون: (القرآن مسلم بأنه الدستور الأساسي) ليس لأصول العقيدة فحسب. بل وللأحكام الجنائية والمدنية. وللشرائع التي عليها مدار حياة النوع الإنساني وترتيب شؤونه. وبعبارة أخرى هو القانون العام للعالم الإسلامي. فهو قانون شامل للقوانين المدنية والتجارية والحربية والفضائية والجنائية).

الفطرية لا التطرف أو المثالية:

ومن خصائص المنهج الإسلامي أنه دين الفطرة.. اعترف للإنسان بحاجاته الروحية والعضوية... وقيمه تقييماً إنسانياً، مراعياً في ذلك نوازعه الفطرية كلها، محققاً التناسق والتوافق بينها جميعاً..

فالإسلام لم ينظر إلى الإنسان نظرة (مادية مجردة) لا تتعدى هيكله الجسدي ومتطلباته الغريزية شأن الشيوعية وسائر المذاهب المادية... في الوقت الذي لم يحرمه حقوقه البدنية وحاجاته البشرية...

فلم يكن الإسلام (أبيقورياً)[2> في إطلاقه للغرائز والشهوات من غير تنظيم ولا تكييف.. كما لم يكن (رواقياً)[3> في فرض المثالية الخيالية، وإعدام المتطلبات الغريزية في الإنسان..

وفطرية الإسلام جسدت في مبادئه (النظرة الواقعية) وأفردته بخصائص التوفيق والتنسيق بين المادة والروح. وهذا ما ينطق به مدلول الآية الكريمة: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَت﴾ البقرة: 268. ويقول الشهيد سيد قطب في تفسير هذه الآية: (إنها العقيدة التي تعترف بالإنسان إنساناً لا حيواناً ولا ملكاً ولا شيطاناً.. تعترف به كما هو بكل ما فيه من ضعف وكل ما فيه من قوة.. وتأخذه وحدة مؤلفة من جسد ذي نوازع، وعقل ذي تقدير، وروح ذي أشواق. وتفرض عليه من التكاليف ما يطيق. وتراعى في التنسيق بين التكليف والطاقة بلا مشقة ولا إعنات)[4>

والاطمئنان العقيدي لا القلق الوجودي:

ومن خصائص المنهج الإسلامي أنه عرف (الإنسان) على نفسه وسر خلقه وسبب وجوده.. فحل بذلك عقدة من أخر العقد في الحياة البشرية..

لم يترك الإسلام الإنسان في الكون وحيداً بلا عماد.. حائراً من غير هدي.. يجابه مصيره بمفرده.. ويحدد طريقه لوحده.. ويحكم نفسه بنفسه..

لقد أجاب الإسلام على كل الأسئلة التي طرحها (الوجوديون) قديماً والتي أرادوا من ورائها التفلت من كل القيوم والحدود ليعيشوا أحراراً كما يزعمون.

فالإسلام لم يعتبر (الوجود) بلا غاية كما يزعم (سارتر) ولم يعتبره وجوداً (سخيفاً) في عالم لا معقول.. ولم يعتبر أن الإنسان موجود فيه لا أكثر ولا أقل.. لا يعرف من أين أتى. ولا إلى أين هو ذاهب.. كذلك لم يعتبر الإنسان مسيراً بدون إرادة تسوقه الطبيعة كالحيوان..

بل إن الإسلام جعل للإنسان عقلاً يفكر به ويستفتيه، وإرادة يتحرك بها كيفما شاء وأنى شاء.. وجعل لخلقه سبباً ولوجوده هدفاً وللحياة الإنسانية غاية..

خلق الإنسان ليبلوه فيما أتاه ويخبره فيما أعطاه أيكفر أم يشكر ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ الإنسان: 2، 3.

وطالبه بتسخير نفسه وأعضائه ودفع غرائزه وميوله في طريق الخير ضماناً لعمارة الأرض، وتحقيقاً لرسالة الاستخلاف: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ * وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُون﴾ المؤمنون: 78-79.

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ المؤمنون: 115 – 116.

فالإنسان في الإسلام صاحب رسالة يعمل على أدائها وله غاية يسعى للوصول إليها.. إنه يدرك أن حياته رحلة ينبغي أن يقطعها وفق الخط الإلهي الذي يضمن له السعادة في الدنيا، والنعيم الأبدي في الآخرة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ النحل: 97.

الانقلابية الجذرية لا الترقيع:

ومن خصائص الإسلام أنه منهج انقلابي جذري.. فهو يرفض أرباع الحلول وأنصافها، ولا يستسيغ التعايش مع الجاهلية، ويأبى الترقيع.. ولقد صدع الإسلام في عهد النبوة كل محاولة لمساومة أصحابه واستدراجهم لقبول بعض الحلول أو التنازل عن بعض الحق.

فهذه قريش تقترح على محمد أن يعبد آلهتها شهراً لتعبد إلهه شهراً آخر، فينزل القرآن الكريم بالموقف الحاسم من أمثال هذه المساومات فيقول:

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ* وَلاَ أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلاَ أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين﴾ الكافرون.

وجاء عتبة بن ربيعة يوماً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم-0يعرض عليه العروض السخية.. يعرض عليه الملك والمال والسلطان على أن يترك الأمر الذي جاء به ويتخلى عن الإسلام لكن محمداً - صلى الله عليه وسلم- التفت إليه مستعلياً بإيمانه معتزاً بإسلامه قائلاً: "ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم. ولكن الله بعثني إليكم رسولاً. وأنزل كتاباً. وأمرنني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم". سيرة ابن هشام.

الإسلام بين القابلية التطبيقية والنظرية الخيالية:

وقد يكون من نافلة الكلام أن نقول: إن البشرية لم تعرف في مدار التاريخ منهجاً (واقعي) الخصائص كالإسلام.. فهو المنهج (الوحيد) الذي غير مجرى الحياة الإنسانية، وأحدث في المجتمع البشري انقلاباً جذرياً شاملاً قوض كل الأفكار وكل الأخلاق وكل المعتقدات الجاهلية..

فالمنهج الإسلامي تجاوز نطاق النظريات (التجريدية).. وتجسدت مبادئه واقعاً حياتياً عاشه الناس وحفظه التاريخ ونطقت به الشواهد والأحداث..

من الشواهد التطبيقية في الإسلام:

أولاً: في نطاق العقيدة:

كان مبدأ (لا إله إلا الله) دفعة العقيدة في قلوب الناس، ومحرك الثورة الأصيل في نفوسهم، ورمز انخلاعهم من ضلالات الجاهلية وأوضارها وأنصارهم في بوتقة الدين الجديد..

وكان الجذوة المتقدة التي حررت الإنسان من عبودية الأصنام، وكرمته عن اتخاذ الناس أرباباً من دون الله، وألزمته إفراده سبحانه بالربوبية والإلوهية والخضوع والحاكمية..

فلم تكن (لا إله إلا الله) شعاراً تتحرك به الألسن من غير وعي، أو تردده الشفاه بدون إدراك.. وإنما كان هتافاً ربانياً عميقاً يحدو القلوب إلى السماء، ويشدها نحو العلاء، فتمتلئ بقوة الله قوة.. وتحس في وصاله طمأنينة.. وتغدو بجواره عزيزة كريمة..

بهذا الامتلاء العقيدي والعبق الإيماني كان العربي بعد الإسلام يقف أمام طواغيت فارس والروم يدعوهم إلى الإسلام باعتزاز، يبين تعاليمه بجرأة.. ثم يحذرهم عاقبة جحودهم وكفرانهم، ويخيرهم بين الجزية والحرب..

ذكرت كتب التاريخ[5> أنه قبيل معركة (القادسية) طلب رستم قائد الفرس من المسلمين أن يرسلوا إليه وفوداً ورسلاً منهم، ليباحثهم ويباحثونه، ويفاوضهم ويفاوضونه. فندب المسلمون فيمن ندبوا (المغيرة بن شعبة) ليكون سفيرهم إلى رستم.. فلما وصل إليهم وهم على زيهم وبسطهم (أدنى) من مجلس رستم.. جاء وجلس معه على سريره فغضب وأمر بإنزاله عن السرير.. فالتفت المغيرة إليهم قائلاً: (إنني لم أرَ أسفه منكم.. إننا معشر المسلمين لا يستعبد بعضنا بعضاً.. فظننتكم كذلك.. وكان أحسن بكم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض.. مع إني لم آتيكم، وإنما دعوتموني.. فقد علمت أنكم مغلوبون ولن يقوم لكم ملك على هذه السيرة.

وتكلم رستم فعظم من شأن فارس ثم قال: (كانت عيشتكم سيئة.. وكنتم تقصدوننا في الجب فنردكم بشيء من التمر والشعير.. ولم يحملكم على ما صنعتم إلا ما بكم من جهد.. فنحن نعطي لأميركم كسوة وبغلاً وألف درهم.. وكل رجل منكم حمل تمر، وتنصرفون، فلست أشتهي قتلكم..).

فلم يكن من المغيرة إلا أن التفت إليه قائلاً: (أما الذي وصفتنا به من سوء الحال والضيق فنعرفه ولا ننكره.. والدنيا دول.. والشدة بعدها رخاء.. ولو شكرتم ما أتاكم الله لكان شكركم قليلاً على ما أوتيتم.. وقد أسلمكم الله بضعف الشكر إلى تغير الحال.. وإن الله بعث فينا رسولاً يدعونا إلى كذا، فإن أبيتم فأمر أهون من ذلك فهو الجزية، فإن أبيتم فالمناجزة).

ثانياً: في نطاق العبادة:

والعبادات في الإسلام ليست طقوساً جامدة، أو مراسيم ميتة لا هدف لها ولا غاية.. بل إن الإسلام أرادها (مدرسة) للتربية (ومصنعاً) للأخلاق والمثل.. أرادها معراجاً تسمو به النفوس وتحلق.. ومصفاة تصفو بها الأرواح وتزكو.. فالإسلام يحرص من عباداته على نتائجها وآثارها.. ويحاسب على مدى التفاعل بها فضلاً عن فرضية أدائها.

فالمدلول التطبيقي والهدف العملي لمبدأ (الصلاة) أن تنهي صاحبها عن الفحشاء والمنكر.. وأنه لا قيمة للصلاة – عند الله – ما لم تؤد هذا الغرض فقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء﴾ العنكبوت: 45، وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم- "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعد" رواه الطبراني.. وقال: "كم من قائم حظه من صلاته التعب والنصب" أخرجه النسائي، وقال: "ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها".

والمدلول التطبيقي والهدف العملي لمبدأ (الصوم) هو ترويض النفس وسائر الأعضاء على الطاعة، وإنه لا ثواب لمن صام بطنه وأفطر فرجه.. أو صامت معدته عن الطعام وأفطرت جوارحه على البغي والفحش والفجور.. وهذا ما يؤكده الإسلام في أحاديث كثيرة للرسول - صلى الله عليه وسلم- يقول فيها: "إنما الصوم جنة، فإذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم" ويقال: "كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش" أخرجه النسائي. ويقول: "من لم يدع قول الزور والعمل به ليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" وجاء في الخبر: "إن امرأتين صامتا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فأجهدهما الجوع والعطش من آخر النهار، حتى كادتا أن تتلفا. فبعثتا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يستأذناه في الإفطار، فأرسل إليهما قدحاً وقال: "قل لهما قيئا فيه ما أكلتما" فقاءت إحداهما نصفه دماً عبيطاً ولحماً غريضاً.. وقاءت الأخرى مثل ذلك حتى ملأتاه فعجب الناس من ذلك. فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم- : "هاتان صامتا عما أحل الله لهما وأفطرتنا على ما حرم الله تعالى عليهما.. فغدت إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تغتابان الناس، فهذا مما أكلتا من لحومهم" أخرجه أحمد.

وهكذا تستهدف فلسفة العبادة في الإسلام تحقيق الأثر الفعلي وحصول التحول الكيفي في حياة الناس..

ثالثاً: في نطاق التشريع:

كذلك القول في القواعد الأساسية التي يقوم عليها التشريع الإسلامي.. فإنها تمتاز بقابليتها الأصلية واستعدادها الفطري للتطبيق..

فالتشريع الإسلامي ليس كسائر التشاريع المسطرة في بطون الكتب.. البعيدة عن صميم حياة الناس.. بل إن نزعته التطبيقية وخصائصه التنفيذية تجعله منهجاً ثورياً وحركياً وانقلابياً فيه كل إمكانيات الثورة وكل متطلبات الحركة ول حاجات الانقلاب..

فمن الشواهد التطبيقية لمبدأ (المساواة) في الإسلام.. أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قلد أسامة بن زيد إمرة الجيش الإسلامي – وهو ابن عبد رقيق – وفي الجيش كبار الصحابة. وأن بلالاً الحبشي بلغ في الإسلام مقاماً عظيماً وشأواً كبيراً جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا ذكره يقول: (أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا).. وأنه لما خرج المسلمون لفتح مصر.. رغب المقوقس في المفاوضة.. فأرسل إليهم وفداً ليعلم ما يريدون.. ثم طلب منهم أن يبعثوا إليه وفداً قوامه عشرة من المسلمين برئاسة عبادة بن الصامت، وكان شديد السواد طويلاً..

ولما دخل الوفد على المقوقس، تقدمهم عبادة.. فأبى المقوقس أن يكلمه رجل أسود.. وقال لمن معه: نحوا عني هذا الأسود، وقدموا غيره يكلمني. فقال الوفد جميعاً: إن هذا الأسود أفضلنا رأياً وعلماً.. وهو سيدنا وخيرنا والمقدم علينا.. وإنما نرجع إلى قوله ورأيه.. وقد أمره الأمير دوننا بما أمره.. وأمرنا أن لا نخالف رأيه وقوله..

فقال لهم المقوقس: وكيف رضيتم أن يكون هذا الأسود أفضلكم، وإنما ينبغي أن يكون دونكم؟ قالوا: كلا، إنه وإن كان أسود كما ترى، فإنه من أفضلنا موضعاً، وأفضلنا سابقة وعقلاً ورأيا.. وليس ينكر السواد فينا..

ومن الشواهد التطبيقية لمبدأ (العدالة): أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- كان يفرض لجميع المسلمين عطاء من بيت المال ويقول: (والله ما أحد أحق بهذا المال من أحد.. وما أنا أحق به من أحد.. والله ما من المسلمين من أحد إلا وله في هذا المال نصيب.. ولكنا على منازلنا في كتاب الله تعالى.. فالرجل وبلاؤه في الإسلام والرجل وقدمه في الإسلام.. والرجل وحاجته.. والله لئن بقيت لهم ليأتين الراعي بجبل صنعاء حظه من هذا المال وهو يرعى غنمه).

وإذا كان الرسول- صلى الله عليه وسلم- قد أعلن مبدأ العدالة في كلام جامع قال فيه: "لا تقدس أمة لا يقضي فيها بالحق.. ولا يأخذ الضعيف حقه من القوي" فقد أصبح القول عملاً والمبدأ واقعاً في حياة المسلمين وعلائقهم ومعايشهم. وتحقق فيهم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ النساء: 135.

بهذه النماذج (التطبيقية) كانت تتجسد مبادئ الإسلام التشريعية في حياة المسلمين.. لم تكن شعارات للاستهلاك والمتاجرة.. كما إنها لم تكن نظريات ومثاليات مجردة عاجزة عن التطبيق.. عارية عن التصديق..

رابعاً: في نطاق الواقع:

كذلك فإن قيام المجتمع الإسلامي في عهد النبوة واستمراره زمناً ليس بالقصير دليل حاسم على قابلية الإسلام للتطبيق..

يقول (توماس كارليل): (ما كاد الإسلام يظهر حتى احترقت فيه وثنيات العرب، وجدليات النصرانية.. وكل ما لم يكن بحق فإنه حطب جاف أكلته نار الإسلام، فذهب والنار لم تذهب.. ولقد أخرج الله العرب بالإسلام من الظلمات إلى النور.. وأحيا به منها أمة خاملة، وأرضاً هامدة، لا يسمع لها صوت، ولا تحس فيها حركة منذ بدء العالم.. فأرسل الله لهم نبياً بكلمة من لدنه.. ورسالة من قبله.. فإذا الخمول شهرة.. والغموض قد استحال نباهة، والضعة رفعة، والضعف قوة، والشرارة حريقاً وسع نوره الأنحاء، وعم ضوؤه الأرجاء، وعقد شعاعه الشمال بالجنوب، والمشرق بالمغرب.. وما هو إلا قرن بعد هذا الحادث، حتى صار لدولة العرب رجل في الهند، ورجل في الأندلس.. وأشرقت دولة الإسلام حقباً عديدة ودهوراً مديدة، بنور الفضل والنبل، والمروءة والبأس، والنجدة ورونق الحق والهدى على نصف المعمورة..).





--------------------------------------------------------------------------------

[1> نذكر من هذه الكتب: الإسلام ملاذ المجتمعات البشرية، د. محمد سعيد رمضان البوطي.


[2> نسبة إلى الفلسفة التي وضعها أبيقور عام 343 ق.م. والتي تعتبر اللذة أساس الأخلاق – وأنها وحدها غاية الإنسان – وهي وحدها الخير.

[3> نسبة إلى الفلسفة التي وضعها زينو القبرصي عام 342 ق. م. والتي تعتبر الشهوة شراً محضاً يجب إبادته..

[4> تفسير في ظلال القرآن سيد قطب.

[5> تاريخ ابن خلدون – المجلد الثاني – القسم الرابع
   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
7 + 7 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المقال السابقة
المقالات المتشابهة المقال التالية
جديد المقالات
جديد المقالات
عمالقة 2011 - العالم اليوم
بصراحة حقيقة المشكلة في مصر - مقالات أ. حسنى عويدات
القائمة الرئيسية
استطلاع رأي
ماتقييمك لشكل الموقع الجديد ؟
جيد جدا
جيد
مقبول
يحتاج تطوير
عدد الزوار
انت الزائر :168897
[يتصفح الموقع حالياً [ 24
الاعضاء :0 الزوار :24
تفاصيل المتواجدون