أسباب انحطاط المسلمين وعوامل نهوضهم

عرض المقال
أسباب انحطاط المسلمين وعوامل نهوضهم
1081 زائر
03/10/2007
غير معروف
عبد اللطيف حسنى


لقد أصيب المسلمون بالانحطاط والتأخر نتيجة لعدة أسباب:


الأول: حينما تحولت الدولة فى العالم الإسلامى من خلافة نبوه تقوم على الشورى والعدل والتقشف والزهد إلى ملك عضوض يقوم على الجبرية والوراثة والظلم والترف. وعن سفينة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خلافة النبوة ثلاثون سنة ثم يؤتى الله ملكه أو الملك من يشاء.


وواكب ذلك التحول ظهور الفقه التمريرى الذى نشأ فى رحاب السلطة، وحب الدنيا.. فأخذ على عاتقة تمرير ذلك التحول فى الحكم باختراع نظريتى ولاية العهد، والوصية وهما وجهان لشئ واحد .. وهو الحكم الجبرى الوراثى المجافى لروح الحكم فى عهد النبى - صلى الله عليه وسلم - وعهد الخلفاء الراشدين الذى كان يقوم على الأركان الثلاثة:


1- الشورى.


2- العدل.


3- التقشف والزهد.


الثانى: التأثر بالثقافات الأجنبية فى بعض جوانبها السلبية من قبيل فلسفة ماوراء الطبيعة (الميتافيزيقا) ومن مثل المنطق الأرسطى وهو منطق شكلى صورى يحتاج إلى إثبات صحة مقدماته التى يعتمد عليها عند استنباط نتائجه . . يحتاج إلى تجربة علمية حتى تكون المقدمة علمية، ومن ثم احتاج الفكر الإنسانى إلى المنطق التجريبى لتلافى العجز فى ذلك المنطق الصورى الشكلى الذى يعتمد غالبا على مقدمات لم تخضع لتجارب علميه دقيقة بل هى عبارة عن مسلمات شائعة بين الناس.


الثالث: ظهور الفكر الباطنى الذى تجلى أثره فى تأويل النصوص الشرعية تأويلا منحرفاً لتحلله من الضوابط الشرعية والعقلية واللغوية .. وراح يزعم أنه ينبع من أعماق الوجدان والحدس وربما تلفع برداء العلم اللدنى حتى يبرر ما ذهب اليه من تأليه الأئمة أو سقوط التكايف الشرعية عن بعض الذين وصلوا بزعمه إلى مرحلة الحلول والاتحاد أو الشهود للذات الإلهية. وكان هذا الفكر وراء شيوع الخرافات والأساطير فى العالم الإسلامى والمبالغة فى صفات الجن وأثره فى حياة الإنسان، والغلو فى حب الأولياء وآل البيت - رضى الله عنهم وبالتالى كان وراء ظهور كثير من البدع الدينية فى بلاد المسلمين.


وقد وجد هذا الفكر مرتعه الخصيب فى تراث بنى إسراثيل المعروف فى كتب الثراث الإسلامى بالإسرائيليات.


الرابع: التقليد الذى خيم على العالم الإسلامى بعد أن وصلت فيه الدورة الحضارية إلى غايتها، ذلك لأن الدورة الحضارية تمر بمراحل ثلاث ثم نبدأ من جديد.


المرحلة الأولى: مرحلة التجارب الحية، وهى مرحلة الاتصال بالواقع والتجربة المباشرة، وهى مرحلة لا يقبل فيها إلا ما يثبت صحته وتعرف علته، ويقبل التطبيق فى الواقع، وتثبت فائدته، ولذلك نجد شعار تلك المرحلة العمل خير من الكلام مصداقاً لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) (الصف:2: 3 :4)


وقال الأعمش عن أبى وائل عن ابن مسعود قال "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن". وقال أبو عبد الرحمن السلمى: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبى - صلى الله عليه وسلم - وكانوا اذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل فتعلمنا القرآن والعمل جميعا.


المرحلة الثانية: مرحلة استنباط القواعد، وتكوين النظريات وتأسس المذاهب، ودمج الجزيئات المثناثرة فى كليات جامعة. وهى مرحلة ضبط الواقع والتحكم فيه بناء على القواعد والنظريات المستنبطة من تجارب المرحلة الأولى.


المرحلة الثالثة: مرحلة الحفظ والتكرار والتلقين للقواعد والنظريات التى تولدن فى المرحله الثانية .. وهنا تنفصل المعرفة عن الواقع الذى يعيشه الناس ويصبح ما يقراه الناس فى كتبهم غير الذى يفعلونه فى واقع حياتهم وهذه المرحلة تسمى مرحلة التقليد، وهى مرحلة غلق باب الاجتهاد ومرحلة المتون ومرحلة العادات والتقاليد الموروثة عن الآباء والأجداد.


وقد مر العالم الإسلامى بالمراحل الثلاث حتى وصل إلى مرحلة التقليد هذه التى نحاول الآن الخروج منها، وقد ذم القرآن الكريم هذه المرحلة ذما واضحا حينما قال: "ومن الناس من يجادل فى الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير" لقمان 20 – 21.


"وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون" المائدة 104..


"وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون" البقرة 170..


الخامس: وقوع العالم الإسلامى تحت سيطرة الاستعمار.. فقد وقع العالم الإسلامى عبر تاريخه تحت وطأة الاستعمار مرتين:


المرة الأولى: حينما أطبقت عليه جحافل الصليبيين من الغرب، وجحافل التتار من الشرق وقد استمرت هذه الفترة حوالى قرنين من الزمان فيما بين القرن الحادى عشر والقرن الثانى عشر الميلاديين ولكن العالم الإسلامى - بعد كفاح مرير خرج منثصراً على هؤلاء الأعداء جميعاً حسياً ومعنوياً .. حسياً بطرده للاعداء من دياره أو تحويلهم إلى مسلمين كما حدث للتتار والمغول.


ومعنويا لأنه كان رغم هزيمته أمام الصليبيين والتتار فى أول الأمر إلا أنه كان محتفظاً بثقته فى دينه، وثقافته، ولغته، وشريعته فكان ينظر إلى الأعداء من علُ حيث كان يراهم رعاعا همجاً، وأنه أرقى منهم طريقة وشريعة مصداقا لقوله تعالى: "ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين "آل عمران 139 .. ”فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم" محمد 35..


والمرة الثانية: حينما وقع العالم الإسلامى مرة أخرى تحت وطأة الاستعمار الغربى، وقد بدأت هذه الفترة بالحملة الفرنسية على مصر 1798 – 1801م .. وقد هبت الأمة للجهاد ولطرد المستعمر. ولكنها وإن نجحت فى بعض المناطق من طرد الاستعمار عسكريا إلا أنها وقعت في أسرة ثقافيا واقتصاديا ..


وكان من نتيجة هذه المرحلة أنقسام الأمة الإسلامية إلى قسمين:


قسم تغلغلت الهزيمة إلى سويداء قلبه .. فنظر إلى المستعمر الأجنبى نظرة العبد إلى السيد ووصل بهم الأمر فى التقليد الأعمى إلى حد النظرة إلى دينهم الإسلامى نظرة الغربيين إلى الدين كما عرفنا ذلك فى المقدمة، وراحوا يقلدون الأجنبى فى كل شئ .. لغة وثقافة وملابس وهيئة ..وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يعنى هؤلاء بقوله - صلى الله عليه وسلم - : لتأخذن كما أخذت الأمم من قبلكم ذراعاً بذراع وشبرا بشبر وباعا بباع حتى لو أن أحدا من أولئك دخل جحر ضب لدخلتموه "قال أبو هريره راوى الحديث اقرأوا إن شئتم" كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذى خاضوا أولئك حبطت اعمالهم فى الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون" التوبة 69


وكأنهم المقصودون بالتهديد الوارد نى توله تعالى: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى متى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذى جاءك من العلم مالك من الله ولى ولا نصير" (البقرة 120)


قال ابن كثير فى التفسير "فيه تهديد ووعيد شديد للأمة عن اتباع طرائق اليهود والنصارى بعدما علموا من القرآن والسنة فالخطاب مع الرسول والأمر لأمته"


والقسم الثانى .. مايزال يعتقد أنه صاحب العقيدة المثلى، والطريق الأسمى وأن الأووبيين وغيرهم من المستعمرين مهما تفوقوا ماديا فانهم وثنيون ماديون عنصريون همج رعاع فى باب الاعتقاد والعبادات والاخلاق ... وكأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يعنى هؤلاء الصامدين بقوله "لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتى أمر الله"


عوامل النهوض


وإذا أردنا معشر المسلمين أن نتلاقى هذه العوامل التى كانت سببا فى تأخرنا حتى ننهض من كبوتنا مرة أخرى فعلينا ..


أولاً: أن نقيم نظام حكمنا على أساس الشورى والعدل والمساواه والزهد والتقشف.


ثانيا: أن تأخذ أخبار الغيب والأحكام الشرعية عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده دون أن نشرك معه أحدا ذلك مهما كان وزنه أو منزلته العلمية وغير العلمية. وأما المنفعة والمضرة والمصلحة والمفسدة .. فيجب أن نحترم التجربة الموضوعية فى ذلك الشأن سواء أكانت تجاربنا أو تجارب غيرنا . .


فالبدعة نوعان: بدعة فى الأحكام الشرعية، وبدعة فى الوساثل المادية والبدعة الضالة هى البدعة الأولى، وهى ما كان فى الأحكام الشرعية، ومن ثم يجب ردها على صاحبها كائناً من كان كما أخبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بذلك. وأما البدعة الثانية فنعمت البدعة، وسيأتى مزيد بيان لذلك فى مبحث دور العقل فى الإسلام.


ثالثاً: أن نخضع تأويل النصوص الشرعية للضوابط الشرعية ممثلة فى علم الرواية وعلم القراءات وعلم أصول الفقه وعلم التفسير .. والضوابط اللغوية ممثلة فى علوم النحو والصرف والمعاجم والمعانى والبيان والبديع .. والضوابط العقلية الممثلة فى علم المنطق بشقيه الصورى والتجريبى ..


رابعاً: أن نحرص على عدم الوقوع فى قبضة التقليد الأعمى .. بل علينا دائماً أن نعرف علة ما نعرف، وأن ندرب أنفسنا على حسن تطبيق معارفنا فى الواقع وبعبارة أخرى يجب أن نهتم بحل التمرينات حتى يصير ما نحفظ من قواعد وأصول واقعيا عملياً.


وأخيرا علينا أن نغرس فى نفوس وقلوب وعقول أبنائنا أنهم مهما ضعفوا فى باب المادة فانهم أفضل أهل الأرض عقيدة وشريعة، وأن انحرافهم عنها هو سر ضعفهم فى باب المادة نفسها .. وأنهم لو تمسكوا بها حق التمسك لكانوا أفضل شعوب الأرض دينا ودنيا مصداقا لقوله تعالى: "ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون" الأعراف 96 ، " ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادى الصالحون" الأنبياء 105، "ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون" المائدة 66


وعلينا أن نتنبه لمؤامرات الإستعمار الغربى الذى يحارب كل حركة إصلاحية فى بلاد المسلمين عاما وبلدنا مصر خاصة.


قال الدكتور حسين مؤنس فى كتابه الشرق الإسلامى فى العصر الحديث تحت عنوان "إنجلترا وحركات الإصلاح فى الشرق": "هذا هو الخطر الجديد الذى سيلقى الدولة الإسلامية الناشئة فى دورها الجديد خطر يعوقها عن التقدم ويأخذ عليها سبل الإصلاح لأن انجلترا عرفت أن كل إصلاح من شأنه أن يقوى الدولة ويعزز من جانبها ويجعلها قوة على طريق الهند إنما هو خطر على إنجلترا، وإذن فكل إصلاح على هذا الطريق خطر على إنجلترا، وإذن فانجلترا تعتبر القضاء على الإصلاحات والنهضات فى الشرق الإسلامى دفاعا عن نفسها تحاربها بداهة وبغير تردد - ذلك مفتاح السياسة الإنجليزية إلى يومنا هذا، وما دامت عيون الشرقيين قد تفتحت للإصلاح وسعوا إليه .. فذلك إعلاناً للحرب على انجلترا . . فمن اليوم الذى تستيقظ فيه الشعوب وتأخذ للاصلاح م سبيلها يصبح الصراع بين المسلمين فى كل مكان وبين الإنجليز ".


وهذا كلام صالح إلى الآن لتفسير بعض أسباب تأخرنا حتى الآن. فالسكة الجديدة مثلا فى مصر منذ فترة طويلة جدا أطول من اليابان ومن فرنسا وكثير من الدول الأوربية ومع ذلك نحن دون الناس لم نضف إلى صناعتها شيئا يذكر حتى الآن، لا شك أن ذلك يرجع الى تنفيذ تلك السياسة الإنجليزيه سرا وجهرا، وسياسة الغرب بصفة عامة أيضاً.

بقلم الأستاذ : عبد اللطيف حسنى سليمان

   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
5 + 5 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
جديد المقالات
جديد المقالات
عمالقة 2011 - العالم اليوم
بصراحة حقيقة المشكلة في مصر - مقالات أ. حسنى عويدات
القائمة الرئيسية
استطلاع رأي
ماتقييمك لشكل الموقع الجديد ؟
جيد جدا
جيد
مقبول
يحتاج تطوير
عدد الزوار
انت الزائر :169004
[يتصفح الموقع حالياً [ 26
الاعضاء :0 الزوار :26
تفاصيل المتواجدون