"سبب الوفاة توقف القلب عن النبض والرئتين عن التنفس والوفاة طبيعية "
هذا ما كتبه ذاك ... وأمسك أبي قلماً ووقع على الورقة...ودفنت تاركا حياتهم.
حين بدأت أعي أنها الحياة .. وجدتني حبيس كرسي ضيق .. ذراعاي مقبوضتان إلى صدري وساقاي هامدتان..
أسمعهم تماما .. يتحدثون ويتغنون ويتشاجرون ..
أسمعهم ..وأنظر إليهم وهم يتحركون حولي.. يحملني أبي إلى السرير ليلاً و يعيدني إلى الكرسي صباحاً..
وتطعمني أمي مقدارا من الحليب والموز كلما شعرتَ بأني جائع..
لم أكن أفعل أكثر من الحياة والتنفس ..أشعر تماما دائماً بتحرجهم مني , وعيون الآخرين تتأملني بنظرات لصوصية دون أن تشعر أمي التي لا تفارقني...
كلهم كانوا حولي يهتمون بي.. يحاولون أن يفهموا ماذا أريد.. فأنا لا أعرف لغتهم , ولا أعرف إلا صوتاً سائماً يأتيني بالحليب .. أو بملامحهم الحبيبة...
كنت أشعر بأنني أحبهم , وأخاف أن يتركوني , أخاف كثيراَ..
أحلم دائما بأنني على ذات الكرسي في غرفة مزدحمة بالكثيرين , يخرج منها الناس واحداً تلو الآخر ..حتى لا يبقى فيها أحد .. ويقفلون الباب علي, وتظلم الحجرة .. وابكي .. حتى أستفيق .. وأجدني أبكي بصوت مرتفع ..
تستيقظ أمي ويتضجر أبي .. تحتضني أمي .. ويشتمني أبي ..أو يخرج إلى الغرفة المجاورة ولا يعرفون لماذا أزعجهم ..
لا يعرفون كم أحبهم وأتضايق من نفسي لأنني أعود إلى الحياة ..
هل كان عليهم أن يتحملوا حياتي ؟!
كانت أختي الجميلة لا تتركني وحيداً أبداً, تجالسني كثيراً أنا الصامت دائماً الذي لا يعرف إلا التحديق في عينيها ..
كانتا رائعتين .. وكنت أشعر بالجمال فيهما, وافهم كل ما تبوحان به لي حين تكون وحدها معي ..
قالت لي ذات مرة : "أقسم أني احبك يا مجاهد, اقسم بالله أنك الوحيد الذي أثق بأنه لن يفشي أسراري ..
أعرف أنك تسمعني وتفهمني, كل ما في الأمر إنك غير قادر على أن تتكلم وتعانقني .. لكنك تفهمني .
مجاهد إياك أن تتركني وحيدة وتموت ,وإن فعلت فلا تنساني يوم القيامة واصطحبني إلى الجنة فأني احبك كثيرا .. كثيرا "..
انحنت على صدري النحيل وجسدي النحيل وصارت تبكي ..
تبا للعجز لولا أن ذراعاي متصلبتان لكنت مسحت على شعرها وعانقتها حتى تبتسم .. فأنا أتألم حين تبكي هذه الصغيرة الحانية ..
بعد أسبوع مرضت وهزلت واحتار بي والدي والأطباء ,واصطفت على المنظدة بقرب الكرس المقيت كومة علب دوائية ..وبخاخات تعنني على مقاومة الموت .. لأبقى سجين الحياة ..
أمي لا تفارقني .. جسدي في حضنها ..هزيل وعمري عشرون سنة ..
عشرين سنة حي بلا حركة أو لغة ..
عشرين سنة أعيش لأنهم بقربي ..
عشرين سنة .. تبوح لي أختي بمآسيها كلما عادت من المدرسة , وكلما تضايقت من أحد..
عشرين سنة ..وأنا استيقظ لأسكن الكرسي وأنام لأسكن ذلك الكابوس المريع ..
عشرين سنة ..والناس لا تشبع من استراق النظر إلى جسدي المعوق وعظامي الباردة من نحافتي ..
عشرين سنة وأنا مجرد كائن حي ..
وهم.. بقربي..
اشتد ضيق صدري وازرقت أجزاء جسدي في تلك الليلة ..
لم تفدني كمامة الأوكسجين.. وتحررت من جسدي أخيرا .. لأرى والدي للمرة الأولى يبكي .. لماذا !!
لأنني فارقتهم .. ولن أعود فأوقظهم ليلا .. ولن يعود فيشتمني أو ينحر جسمي بيده ضجرا و انزعاجاً ..
ومتّ..
قبل أن أغادر منزلنا بلا روح دخلت أختي الجميلة الغرفة التي تمددت جثتي فيها, جزعت لرؤيتي من رأسي إلى أخمص قدمي .. فخرجت بأنفاس متسارعة خائفه ..
كم تمنيت لو أنها اقتربت مني وعانقتني للمرة الأخيرة ..وقالت لي ألا أنساها يوم أدخل الجنة ..
لكنها خافتني ...
وهربت....
حملني أحدهم في لحظه تعانق فيها والدي وأخي الأكبر يجهشان بالبكاء ...
وأدخلني تلك الحفرة الترابية....
ثم مضوا جميعاً ....
أبسمت في حفرة بطولي وعرضي ...
ولوحت لهم روحي بحبّ ....
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقول الكاتبة/
اهداء: إلي روح أخي (مجاهد) التي مازلتُ أحس بها وأبكي صفاءها المفقود في عالمي .