عاقبة الظلم والظالمين

عرض المقال
عاقبة الظلم والظالمين
359 زائر
16/04/2008
فضيلة الإمام محمد مهدي عاكف

رسالة من محمد مهدى عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين

الحمد لله الحَكَم العَدل .. والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، خير من قام بين الناس بالقسط ..

لله تعالى فى كونه سنن ماضية لا تتخلف ولا تحابى أحدا .. وسننه فى قيام الأمم ونهضتها، أو انهيارها وكبوتها يراها كل ذى عقل فى تاريخ البشرية وحاضرها وقد جعل الله تعالى العدل أساس الملك (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ )(النساء: من الآية58) وأمر الله تبارك وتعالى الأمة المسلمة المستخلفة فى الأرض بإقامة العدل وتحقيق القسط بين الناس مهما اختلفت أجناسهم وألوانهم، بل وعقائدهم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)(المائدة:8)

وحذر الله سبحانه من الظلم بكافة أنواعه .. ظلم المرء لنفسه أو لأهله وعشيرته وظلم الأغنياء للفقراء والأقوياء للضعفاء وظلم الحكام للمحكومين .. بل وظلم الأمم بعضها لبعض، وبين أن عاقبة هذا كله الهلاك فى الدنيا والعذاب الأليم فى الآخرة : (وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً)(الكهف:59) (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا )(يونس: من الآية13) (فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)(الأنعام:45)

ولقد ضرب الله تعالى المثل بنفسه - عز وجل – وهو القادر المقتدر، القوى العزيز الجبار ... فقال للبشر جميعا "يا عبادى إنى حرِّمت الظلم على نفسى وجعلته مُحَّرمًا بينكم فلا تظالموا" (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً)(النساء:40)

والناظر فى أحوال العالم اليوم يرى ألوانا من الظلم تشقى بها البشرية جمعاء، ظلم الدول الكبرى للدول الصغرى، والدول الغنية للدول النامية أو الفقيرة وظلم الحكام للمحكومين، وظلم طبقات من المجتمع لطبقات أخرى .. وقد رأينا فى السابق والحاضر عاقبة الظلم – كيف هلك الفرس والروم ؟ وكيف تفتت الاتحاد السوفيتى حينما حكم الناس بالحديد والنار وجار على دولة ضعيفة كأفغانستان .. واليوم هناك نذير شؤم يهدد الولايات المتحدة الأمريكية بتجبرها على دول العالم واعتداءاتها بالسلاح والاحتلال والنهب الاقتصادى واحتلالها لأفغانستان والعراق وتهديد سوريا وإيران ومحاولتها تفتيت لبنان والسودان، ثم ظلم ربيبتها (إسرائيل) التى أقاموها على أشلاء ودماء الشعب الفلسطينى الذى ذاق ألوانا من الظلم لم يذق مثلها شعب من شعوب الأرض .

فإذا نظرنا إلى عالمنا العربى والإسلامى رأينا ألوناً من الظلم هوت بنا من القمة إلى الحضيض .. بعد أن كنا ( خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ )(آل عمران: من الآية110) صرنا فى ذيل الأمم ..

فى المجال السياسى : صار الاستبداد هو السمة فى كل الأنظمة ملكية كانت أو جمهورية، هى فرعونية جديدة تخضع لحكم الفرد ( مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)(غافر: من الآية29) إهدار للشورى وتزوير لإرادة الأمة - وحكمها بالحديد والنار – تقريب المنافقين واضطهاد الصالحين المخلصين .. وتمزيق الأمة .. وتسليط بعض الفئات على بعض (وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً )(القصص: من الآية4)

فى المجال الاقتصادى : احتكار للثروة لفئات محدودة وحرمان جموع الشعب من ثمار عملها .. وإهدار الطاقات والتفريط فى الثروات وبيعها للأعداء وبأبخس الأسعار مقابل عمولات تصب فى جيوب قلة ومليارات تقترض من البنوك بلا ضمانات ، ومليارات أخرى تهرب إلى الخارج .. والنتيجة فقر مدقع واحتياج وذلة لكل دول العالم

فى المجال الاجتماعى : تفاوت رهيب بين الطبقات ينذر بصراع اجتماعى يأكل اليابس والأخضر، وإفساد أخلاقى يقوم به المترفون ليلهوا جموع الشعب بالمعاصى والشهوات .. وشيوع المحسوبية والمحاباة فى مقابل إهدار الكفاءات والمواهب .. حتى صار اليأس والإحباط سمة الكثير من شباب الأمة الذى لا يجد عملاً ولا تقديراً ولا تشجيعاً .. فضاع بعضه انتحاراً وهجرةً إلى بقاع العالم .

فى المجال الأمنى : أصبحت مهمة الأمن تكميم الأفواه ومصادرة الحريات ومطاردة الأطهار الأبرياء وتلفيق التهم .. بدلاً من مطاردة اللصوص والخارجين عن القانون والمعتدين على أرواح الناس وأعراضهم وممتلكاتهم .

فكانت النتيجة أن سقطنا – أو أوشكنا – أن نسقط من عين الله، والله تبارك وتعالى لا يحابى أحدا ً ( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً) (النساء:123)، وقد حذرنا سبحانه "إذا عصانى من يعرفنى سلطت عليه من لا يعرفنى" .

وبين أن عاقبة الظلم تنال الجميع : الظالم بجبروته وطغيانه والساكت عن الحق "شيطان أخرس" وجموع الأمة إن توانت عن استخلاص حقوقها من أيدى الظالمين ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (لأنفال:25)

عقاب آخر .. أشد وأبقى

نحن الآن فى عقاب الدنيا .. ذل وهوان، وتخلف وهزيمة، وجوع وفقر، واحتلال وسفك دماء .. لكن هناك عذاب أشد وأبقى ينال كل ظالم مهما علا وتجبر، لا يستطيع له دفعاً ..

( يوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ)(غافر: من الآية52) ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) (غافر:46) (فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ، وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ) (الفجر25، 26)

التوبة والعدل .. قبل فوات الأوان

إننا نهيب بكل ظالم أن يفئ إلى أمر الله فيكف عن ظلمه لنفسه أولاً، ثم لكل مظلوم ناله بأذى فى نفسه أو ماله أو عرضه .. ( وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) (البقرة:281) .

· أطلقوا الحريات، احترموا كرامة الإنسان ، أشيعوا الأمن، والأمان وساووا بين الناس فى الحقوق والواجبات، كفوا عن تزوير إرادة الأمة .. احترموا أحكام القضاء .. قدموا الكفاءات .. احترموا المواهب والطاقات والآراء .

· اعدلوا فى توزيع الثروات ( فما جاع فقير إلا بتخمة غنى ) .. ادفعوا الشباب إلى العمل النافع بدلاً من اللهو الضائع .. نقبوا فى ثروات الأرض ولا تبيعوها للأعداء .. صونوا ممتلكات الأمة ولا تهدروها فتهلكوا الحاضر والمستقبل ...

· اجمعوا الصفوف ووحدوا الأمة واجعلوا سلاحكم فى وجه أعدائكم واعرفوا عدوكم ولا تعادوا شعوبكم ...

· أطلقوا سراح الأبرياء الشرفاء وردوا إليهم أموالهم وشركاتهم ومصالحهم بل عوضوهم وأهليهم عما نالهم من أذى وحرمان وتشويه .. وأنزلوهم منازلهم، ولا تقفوا من هذه الجماعة موقف الخصومة والعداء فهى أمل الأمة فى الإصلاح وهى القادرة مع الشرفاء من أبناء هذه الأمة على إنقاذها من كبوتها ...

· عودوا إلى الله واصطلحوا مع شعوبكم واحكموا بشريعة ربكم واهتدوا بهدى نبيكم صلى الله عليه وسلم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ )(لأنفال: من الآية24)..

والله الهادى إلى سواء السبيل

والله أكبر ولله الحمد

   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
8 + 7 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المقال السابقة
المقالات المتشابهة المقال التالية
جديد المقالات
جديد المقالات
عمالقة 2011 - العالم اليوم
بصراحة حقيقة المشكلة في مصر - مقالات أ. حسنى عويدات
القائمة الرئيسية
استطلاع رأي
ماتقييمك لشكل الموقع الجديد ؟
جيد جدا
جيد
مقبول
يحتاج تطوير
عدد الزوار
انت الزائر :168898
[يتصفح الموقع حالياً [ 25
الاعضاء :0 الزوار :25
تفاصيل المتواجدون