اعترف بأنني أتعامل بقدر من الحذر مع الكتابات الغربية التي تتحدث عن الصعود الإسلامي ذلك أن معظمها يهدف إلى تحذير أمريكا وأوروبا من الخطر الإسلامي، ودفع هذه الدول لشن الحرب ضد الإسلام، وطرد المسلمين من الدول الغربية، لكنني وجدت نفسي أغير هذا الاتجاه في التعامل مع مقال كتبه مارك ستين بعنوان المستقبل ينتمي للإسلام نتيجة لالتزامه بالمنهج العلمي، واعتماده على المعلومات الموثقة، لذلك سوف أعرض لكم أهم الأفكار التي جاءت في ذلك المقال كمقدمة لتحليل بعض الأحداث العالمية وتأثيرها على تشكيل الخريطة الجيوسياسية العالمية.
المد الديموجرافي
يعتمد مارك ستين في مقاله على رصد المؤشرات الديموجرافية كمدخل لتصور إمكانيات المستقبل، وأنا اعتقد انه أحد المداخل المهمة، لكنه ليس المدخل الوحيد، فهناك مقاربات أخرى لا تقل أهمية منها الثقافة، والمد الحضاري، وهي تشكل الأساس في عملية توظيف البشر لتحقيق الأهداف الكبرى يقول مارك ستين إن الشعب الذي لا يتضاعف لا يمكن أن يحقق تقدماً، أو يشكل المستقبل، وأن الدول الغربية تتعرض لتناقص أعداد السكان، حيث يتناقص معدل المواليد، ولذلك فإن تلك الدول سوف تتعرض لزيادة أعداد العاجزين الذين وصلوا إلى مرحلة الشيخوخة، بينما الذي يصنع المستقبل هو الذي يمتلك الشباب والإرادة، ولكن من الذي يمتلكهما معاً ويستطيع أن يستخدمهما لتغيير العالم.
إذا نظرنا إلى إفريقيا سنجد أنها تمتلك أعدادا كبيرة من الشباب، لكن خطر الإيدز يهدد هؤلاء الشباب، كما أن الأفارقة لا يتعاملون مع أنفسهم باعتبارهم أفارقة كما نرى في رواندا على سبيل المثال، ولكنهم يتعاملون مع أنفسهم على أساس أنهم ينتمون إلى قبائل، ويحدد كل شاب هويته على أساس انتمائه لقبيلته، وهذه القبائل الإفريقية ليست لها طموحات عالمية.
الطموح العالمي للإسلام
يقول مارك ستين إن الإسلام وحده يمتلك طموحاً عالمياً، وهو يشكل هوية المنتمين إليه، في كل مكان يوجد فيه هؤلاء المنتمون سواء في الشرق الأوسط أو في آسيا أو أي مكان آخر.
إن الإسلام يمتلك الشباب والإرادة، بينما لا تمتلك أوروبا سوى الشيخوخة والرفاهية.
يضيف مارك ستين بكل جرأة: إننا نشهد نهاية ديمقراطية الرفاهية المتقدمة، إن السؤال الذي يطرح نفسه الآن بقوة هو هل يمكن لدول أوروبا أن تتقدم بينما هي تشيخ، ويتجه سكانها نحو العجز، وإذا كان الأوروبيون يتعرضون للتناقص الديموجرافي فإنهم يجب أن يتوقعوا أنهم سيتعرضون لسيطرة سكان جدد يحملون وجهة نظر عالمية مختلفة.
من الواضح أن مارك ستين يقصد الأوروبيين البيض بشكل محدد، ويشير إلى إمكانية سيطرة الذين يحملون وجهة نظر مختلفة وبذلك يقصد المسلمين تحديداً، فهو لا يشير إلى الجنس أو العرق ولكنه يشير إلى وجهة النظر العالمية.
الحرب الطويلة
يربط مارك ستين بين العوامل الديموجرافية والحرب، فيقول: بعد أربع سنوات من الحرب على الإرهاب ماذا حققت إدارة بوش، لقد بدأت تلك الإدارة تروج لصيغة جديدة هي الحرب الطويلة لكن ذلك يشكل مؤشر خطر، ففي الحرب القصيرة فإنك تنفق على الدبابات والقنابل باعتبارها أهم أدوات حسم المعركة..أما في الحرب الطويلة فإن الرهان يكون على القوة البشرية والإرادة، وكلما طالت الحرب زادت صعوبتها لأنها تكون سباقاً ضد الزمن وضد المد الديموجرافي والتقلبات الجيوسياسية والاقتصادية.
يقول مارك ستين إنه يعني بالمد الديموجرافي هنا معدل المواليد المرتفع في العالم الإسلامي والذي سيجعل اليمن على سبيل المثال أكثر سكانا من روسيا في منتصف القرن الحادي والعشرين!.
إن أي تحد جيوسياسي في المستقبل يعتمد على العوامل السكانية، وعلى الأزمة الديموجرافية، فهذه الأزمة سوف تلعب دورها في تشكيل حالة عدم استقرار سياسي في العالم.
ففي اليابان على سبيل المثال زاد عدد الوفيات عام 2005 على عدد المواليد، وهذا يشير إلى أن أرض الشمس المشرقة قد غربت عنها الشمس، وهذا يشير إلى الخطر القادم، فاليابان لا تملك سوى الاتجاه نحو الشيخوخة، والحل الوحيد أمامها هو فتح أبواب الهجرة.
الكلمة الحاسمة
بعد استعراض مؤشرات التناقص الديموجرافي في عدد من الدول الغربية يصل مارك ستين إلى القول: إن العوامل الديموجرافية سوف تكون لها الكلمة الحاسمة في المستقبل، فأوروبا مثل اليابان تواجه كارثة تناقص معدلات المواليد، وهذا يعني أن السكان الأصليين سوف ينتهون.
يصل مارك ستين إلى النقطة التي يريد التركيز عليها باستخدام المؤشرات الديموجرافية وهي أن هناك مؤشرات على أن الله سوف يمنح الإسلام النصر في أوروبا بدون سيوف وبنادق، وبدون غزو، إن خمسين مليون مسلم سوف يحولون أوروبا إلى قارة إسلامية خلال عقود قليلة.
يضيف مارك ستين إنه خلال سنوات قليلة سيصل الملايين من الشباب المسلمين إلى سن التصويت في الانتخابات في الكثير من الدول الأوروبية وسيلعبون دوراً مهماً كقوة تصويتية.
ويستند مارك ستين في ذلك إلى قول أحد أئمة المساجد في النرويج: إننا نحن الذين سنغيركم.. أنظر إلى المسلمين في أوروبا حيث يتزايد عددهم، فكل امرأة أوروبية تنجب بمعدل 1.4 طفل، بينما كل امرأة مسلمة تنجب بمعدل 3.5 طفل، وسوف يثبت لكم أن طريقتنا في التفكير أفضل من طريقتكم.
هذه هي أهم الأسس التي تقوم عليها نظرية مارك ستين، التي اعتقد أنها لا تقل أهمية عن نظرية فوكوياما "صدام الحضارات"، بل إنها تتكامل معها، ولكي نعرف خطورة هذه النظرية يجب أن نتعرف على مارك ستين، فهو كاتب كندي محافظ يحتل أهمية كبيرة ككاتب سياسي، وقد ألف خمسة كتب من أهمها: أمريكا وحدها: نهاية العالم كما نعرفه الآن، والذي حقق أعلى معدلات توزيع في فئة الكتب غير الخيالية، وقد صدرت طبعته الجديدة الرخيصة عام 2008، لكن كندا قامت بحظر توزيع هذه الطبعة.
ويقيم هذا الكاتب الآن في الولايات المتحدة الأمريكية، ويكتب في عدد كبير من الصحف الأوروبية والأمريكية.
ومن أشهر أطروحاته التي تعرض لهجوم حاد بسببها إنه يؤكد أن أسامة بن لادن قد مات، كما أنه كتب أن تلميذاً في الفصل السادس بمدرسة بروكلين ينتمي إلى إحدى دول الشرق الأوسط قد أخبر أستاذه في الفصل قبل اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر بخمسة أيام أن برج التجارة العالمي سوف ينهار.
وبالرغم من أن ستين لم يحدد الدولة التي ينتمي إليها هذا التلميذ فإنه تعرض لهجوم حاد من وسائل الإعلام الأمريكية.. لماذا؟!.
إنه عنصري
ومارك ستين متهم بالعنصرية، حيث يتهمه جوهان هاري بأنه يحتفل بميلاد أي طفل أبيض، بينما يحزن لميلاد أي طفل ينتمي إلى جنسية أخرى.
ويتهمه الكونجرس الإسلامي في كندا بالعداء للإسلام والعنصرية.
وهذا يعني أن ما كتبه ستين في هذا المقال وفي كتبه الأخرى يهدف إلى تحذير الغرب من الخطر الإسلامي، وهو يحاول أن يبرر للغرب أية إجراءات عنصرية يقوم بها ضد المهاجرين وفي الوقت نفسه يتكامل مع نظرية صدام الحضارات، ولذلك فقد أثار اهتمامي، وأردت أن أنقل لكم أيها السادة معظم هذه الأفكار والتي أعتقد أنها تشكل الاستراتيجية الغربية، خاصة تفكير اليمين المحافظ في أمريكا.
وفي ضوء ذلك يمكن أن نفهم لماذا تنفق أمريكا بسخاء على برامج تنظيم الأسرة، ولماذا تشجع الأمريكيين والغربيين البيض على الإنجاب، في الوقت الذي تحاول فيه أن تروج لأفكار هدفها التقليل من تماسك الأسرة في العالم الإسلامي، ومحاربة نموذج الأسرة الإسلامي الذي يقوم على الزواج الشرعي.
كما أننا يمكن أن نفهم لماذا شنت أمريكا الحرب على العراق، وهي تعرف تماماً أنه ليست هناك أسلحة دمار شامل، ولكنها تحاول أن توقف تطور الأحداث، ومنع العالم الإسلامي من تحقيق النهضة، حيث إن ذلك يمكن أن يجذب الكثير من الشعوب للإسلام ويعيد تشكيل الخريطة الجيوسياسية العالمية.