الحمد لله الذي جعل حج بيته ركناُ من أركان الإسلام، وأحد أركانه العظام، كما قال تعالى: [ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ ] ( آل عمران: 97 ). والصلاة والسلام على النبي القائل " من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه " متفق عليه، والقائل " خذوا عني مناسككم ".
أما بعد:
فإن لضيوف الله علينا حقوقاً عظيمة نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على قضائها بيسر وسهولة فنحن في هذه البلاد قد شرفنا الله بخدمة بيته الحرام ومسجد نبيه الكريم وأنعم علينا بنعمة الأمن والأمان وأفاض علينا من نعمه الظاهرة والباطنة مما يضاعف من مسئولياتنا لخدمة ضيوفه ووفود بيته. فأصبح لزاماً علينا الوفاء بهذه الحقوق التي شرفنا الله بها.
ولهذا فإن المسؤويات كبيرة ومتعددة ولهم علينا حقوق وواجبات سواء ما كان منها على مستوى الدولة التي لم تدخر جهداً في تقديم وتسهيل ما يحتاجه الحجاج من كافة الوجوه أو ما كان على مستوى المواطن عموماً، لذا فإنه يتعين علينا العناية التامة بهؤلاء الحجاج والإحسان إليهم والرفق بهم ومساعدتهم على أداء مناسكهم في يسر واطمئنان وأن نعاملهم بمقتضى الإخوة الإسلامية حيث يقول سبحانه وتعالى: [ إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ] ( الحجرات:
10 ) ويقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه " مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر ". وأن نستقبلهم كأعز ضيوف وأكرم وفود كيف لا وهم ضيوف الرحمن ووفوده.
فيجب علينا أن نساهم في خدمتهم والسهر على راحتهم ومساعدتهم وإرشادهم وتقديم النصح لهم بصدور رحبة ووجوه طلِقة حتى يشعروا أنهم بين أهليهم وذويهم في وطنهم الثاني فتتوثق أواصر المحبة وتتعمق الروابط وتزداد الصلات وتتألف القلوب فتتحد كلمة المسلمين وتقوى شوكتهم.
فعلي كل من له علاقة بخدمة الحجاج سواء كان موظفاً أو رجل أمن أو مطوفاً أو طبيباًُ أو داعية أو بائعاً أو سائقاً أن يتقوا الله فيهم ويؤدوا ما ائتمنوا عليه على الوجه الأكمل ابتغاء مرضاة الله وطلباُ لثوابه واحتساب ما ينالهم من تعب ومشقة عليه سبحانه وتعالى وتنفيذاً لتوجهات قائد المسيرة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز حفظه الله وحكومته الرشيدة.
وإن على ضيوف بيت الله الحرام وقد قطعوا المسافات الطويلة من كل حدب وصوب يحدوهم الأمل في الوصول إلى هذه المشاعر المقدسة ورؤية بيت الله الحرام لأداء هذا الركن العظيم من أركان الإسلام أقول إن عليهم واجبات ومسئوليات من أهمها:
1 - الحرص على أداء هذه الفريضة بما يوافق شرع الله وأمره وأن يخلصوا النية لله سبحانه وتعالى فيها ويهتدوا بهدي المصطفى صلى الله عليه وسلم ويمتثلوا قوله عليه الصلاة والسلام: " خذوا عني مناسككم ".
2 - عدم إيذاء الحجاج الآخرين ومزاحمتهم في الطواف والسعي ورمي الجمار بأي نوع من أنواع الإيذاء امتثالا لقوله تعالى: [ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ] (الأحزاب: 58).
3 - إتباع الأنظمة والتعليمات التي وضعتها الدولة من أجل راحتهم وسلامتهم ومساعدة القائمين على أمور الحج وتمكينهم من أداء مهامهم امتثالا لقول الله تعالى: [ وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ] ( المائدة: 2 ).
4 - الاستفسار عن أمور دينهم لقول الله عز وجل ] فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ] ( النحل: 43 ).
5- أن لا يُستَغل هذا المؤتمر الإسلامي العظيم للنزاعات السياسية أو الشعارات الطائفية أو الدعوات الحربية أو الهتافات الدعائية فيخرج عن هدفه الأساسي وهو عبادة الله وحده، و الدعوة إلى الله لجمع شمل المسلمين تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله يعبدون رباً واحداً، و يتبعون نبياً واحداً و يحتكمون إلى كتاب واحد و يدينون بدين واحد قال تعالى: [ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا ] ( آل عمران: 103 ).
نسأل الله عز وجل أن يتقبل حج الجميع وأن يردهم إلى بلادهم سالمين غانمين قد غفرت ذنوبهم ورجعوا كيوم ولدتهم أمهاتهم كما نسأله سبحانه وتعالى أن يحفظ لهذه البلاد أمنها واستقرارها وأن يُوَفِق خادم الحرمين الشريفين وحكومته الرشيدة لما يحبه ويرضاه و أن يجزيهم على ما يبذلونه في خدمة الإسلام والمسلمين عامة، وحج بيت الله خاصة أحسن الجزاء وأعظم المثوبة كما أساله تعالى أن يجمع كلمة المسلمين على الحق والهدي وأن يوحد صفوفهم ويصلح قادتهم وعامتهم وينصرهم على أعداء الله وأعدائهم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.