حتى لا يصدأ السيف

عرض المقال
حتى لا يصدأ السيف
196 زائر
26-11-2008
http://www.hodaway.com/main/upload/hodaway_logo.jpg

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله..... ثم أما بعد...,

إن الذين مازال في قلوبهم شيئاً من الغيرة على الإسلام من المسلمين إذا جلس أحدهم ليشاهد إحدى نشرات الأخبار ليجد أنه في جميع بقاع الأرض لا دماء غير دماء المسلمين تراق ولا أعراض غير أعراض المسلمين تنتهك ، ولا ثروات غير ثروات المسلمين تسرق ، يضيق صدره ولا ينطلق لسانه إلا بـ " لا حول ولا قوة إلا بالله " ، حتى إذا نزل إلى الشارع لينظر إلى النصف الفارغ من الكوب فيجد المجتمع وما أصابه من مصائب وكوارث أخلاقية ودينية وثقافية وعلمية وسياسية .... وقتها يكاد فتات الأمل لديه يذوب في بحار اليأس وشعاع النور في صدره لا يكاد يُبين .....فيسكت لسانه ويصرخ قلبه ويسأل ( لماذا تأخر نصر الله عزوجل عن المسلمين ؟! ألم يأن للنصر أن يحل ويأتي...؟! )

في الحقيقة الجواب على هذا السؤال غير منطقي بالمرة لأن السؤال نفسه غير منطقي تماماً ، فإن النصر لم يتأخر... وما تأخر في يوم من الأيام عن المسلمين وما كان له أن يتأخر وما يصح في حقه التأخير ، إن النصر سُنه كونية ربانية لا تحابي أحد ولا تتبدل ولا تتغير ولا تتأخر وضعها الله عزوجل في الأرض لكي تجري على جميع خلقه مؤمنهم وكافرهم تقيهم وفاجرهم .... فأكثرهم له طلباً أكثرهم به فوزاً وله حيزةً ، إن مثل الأمة الإسلامية والنصر ، كمثلك وصاحبك الصالح الذي كثيراً ما كان يرافقك فقد لبث معك حيناً طويلاً من الدهر ولم يفارقك يوماً أبداً حتى أنك أصبحت به تعرف وبك يعرف ، فما أن سئمت أنت صحبته وكرهت مرافقته خاصمته وقاطعته فذهب عنك ورحل إلى غيرك ليتركك تتخبط في ظلمات الهزيمة وحدك وأنت تُأمِّل في غيره من الفاسدين المفسدين الصحبة الصالحة .... فلم يذهب عنك ولكن أنت الذي سئمت صحبته.....آلآن وقد أفقت قلت وسألت لماذا تخلى عني النصر ولماذا تأخر...!!!

ورغم قسوتك مع صاحبك وخشونة تعاملك معه إلا أنه ومنذ زمن بعيد مازال يشتاق إليك وإلى سماع صوتك وأنت تنادي عليه فيلبي النداء في التو واللحظة دون تأخر أو تلكأ ....

فإذا ادعيت أنك تنادي عليه منذ فترة طويلة وهو لم يلبي النداء... فهذا عيبٌ في صوتك فهو صوت خفيض رفيع ضعيف لم يرتق إلى مسامعه فيجيب وإن توهمت أنت عكس ذلك ، لم يتأخر النصر ولكن أنت الذي تأخرت – ومازلت – عن النداء والأخذ بالأسباب .... فلم يزل في حوزة غيرك لأنك زهدت فيه وبعته بثمن بخس دراهم معدودة أو ما هو أقل .... فإذا أردت استعادة ما فرطت فيه يجب أن ترفع صوتك ليبلغ مسامعه ، يجب أن ترتقي أفعالك إلى الأسباب الجالبة له وقلبك إلى القلب الذي يحبه وعقلك إلى العقل الذي يليق به ، فإنك لا تطلب حقيراً وإنما تطلب عظيماُ وأمراً جللاً لو كنت تعلم .... فكن على مستوى من تطلب من الجد والتعب وصدق النية والاجتهاد يأتيك بإذن الله.....

فكفانا تأخر وتأخير عن طلب النصروالقعود عنه والزهد فيه والرغبة في غيره بديلا ، فقد نكتشف وبعد مرور زمن ليس بقصير وجهد ليس بقليل أن سبب تأخرنا الفعلي ليس قلة الموارد البشرية ولا المادية وإنما لأننا أخطأنا الدافع الذي يحركنا نحو العلو والرقي ، فلن نجيد النهضة مالم نجيد اختيار الدافع المناسب لها ، فالواقع يخبرنا أن لا أحد فينا يتحرك لصنع أمراً ما أو طلب شيئاً ما إلا بدافع يحركه ....... أيّن كان هذا الدافع ديني أو دنياوي صالح أو طالح خير أو شر فكلها دوافع تدفع الإنسان إلى العمل ، فإن القوم الذين لا يجيدون انتقاء دوافعهم لا يفلحون في إدراك أهدافهم ، وعلى قدر سمو الهدف لابد أن يتسامى الدافع ، فإن أسمى هدف يستلزمه أسمى دافع ، فلا ينبغي أن نطلب الأهداف العظيمة بالدوافع الحقيرة فلن يتأتى لنا هذا وإن بذلنا قصارى الجهد أو ثمين المال.

و لعلو أهدافنا لن تجد دافع يحثنا عليها أسمى من الإيمان ، ويخبرنا التاريخ أنه ما علت أمة إلا بشدة إيمانها بما تحمل ، ثم يتوقف دوامها واستمراريتها على مدى صحة عقيدتها واستمرار قوة إيمان أهلها به.

يجب أن نفهم الإيمان بشكل هو ليس بجديد ولكنه قد يغيب عن العقول بعض الشئ ، يجب أن نفهمه على أنه الدافع الوحيد والأوحد الذي يكفل لنا النهضة التي نرجوها ونأملها وأن مهما ابتغينا في غيره من دوافع عدة فلن نفلح أبداً.

لابد ألا يتوقف فهمنا للإيمان على أنه صفاء يصيب القلب وبياضٌ في الوجه وانشراح للصدر تقشعر منه الجلود والأبدان وتنزرف منه الدموع من العيون فنشعر وقتها بجلاء قلوبنا من درنها ورانها وحسب من المشاعر الطيبة التي تصيبنا جميعاً ، بل لابد أن ترتقي هذه المشاعر لتبلغ مرتبة العمل ، يجب أن تُستكمل هذه المشاعر لتصبح أقوى دافع على الإطلاق يبعثنا على الاجتهاد و العمل.

إن الإيمان هو الجمرة التي تشعل النار داخل القلوب فتحدث في داخلها تنغيصاً للعيش ومرارةً وألماً لا يجليه عنه إلا البذل والعطاء والتضحية في سبيل عز الإسلام وعلو شأنه ومجده من جديد.

حينما يغلى الإيمان في القلوب تنضج على أثره العقول بالفهم والفكر ، وبين القلب والعقل لاتجد الجوارح بداً إلا أن تأتي مسلمة راغمة طوعأ أو كرهاً.

فهذا هو مربط الفرس ، لابد للدافع أن يخاطب القلب أولاً قبل العقل ثانياً ، فالعقول مأسورة للقلوب تفكر تبعاً لهوها فإن كان هواها تابعاً لسنة رسول الله – وهو الإيمان الصادق – فكر العقل بدون أن تشعر وبدون تلكأ أوتردد في كيفية إعلاء راية الإسلام وهدي محمد صلى الله عليه وسلم وهو المطلوب تحصيله.

إن تلكأنا وتباطئنا عن دعوة الله عزوجل إن دل على شئ فهو يدل على نفاذ دوافعنا الذي أدى إلى خمول همتنا وحبس طاقتنا ، وهنا يتضح الفارق الجوهري ، الإيمان هو الدافع الحقيقي الذي لا ينفذ من القلوب وبالأخص إن عملت أنت على ذلك وحرصت عليه ، وبهذا نضمن الاستمرارية في العمل بمستوى الغالب فية العلو والمنافسة والتسارع. فطلاب الجنة لا يتعبون ولا يسئمون ودائماً يطلبون المزيد.

إن الإيمان الحقيقي يضمن لك استنفار الطاقات وعلو الهمم واستمرارية العمل ونضوج الفهم والفكر ويكفيك البحث عن دوافع لم تزد الإمة إلا اضمحلالاً.

أدعو الله عزوجل الا أكون قد أطلت في توفير القناعة اللازمة للإيمان كدافع وسلاح ولكن إن هو فاتنا فلن يغنينا إدراك ما بعده.

من هنا يتضح لنا الدور الذي يجب أن نقوم به جميعاً ، وهو ارتفاع معيار الإيمان لدى جميع أفراد الأمة ، فهذا هو السبيل الوحيد الذي تستطيع به بلوغ الغاية والهدف.

ولكن قد يضيق صدرك عندما تعلم أنه ليس لك من الأمر شئ ، فعلو الإيمان إنما هو محض شخصي ، فلا أحد يملك زيادة إيمان شخص ما إلا هو نفسه - بعد ما يأذن الله عزوجل له - ، وقد يضيق صدرك أكثر وأكثر حينما ألخص لك كلام العالم الجليل بن قدامه وهو يتحدث عن تهذيب النفس أن(( الداء عضال وأنك لا تكاد تجد الطبيب الحاذق وإن وجدته لا يكاد يخلص هو نفسه من الداء)) . .....

وقتها قد تضع يدك على خدك وتقول " إذن انتظر إلى أن ينصلح حال المسلمين فإن الأمر ليس بيدي فقد بذلت كل ما في وسعي ولم يعد ينفع "

أقول نعم إن الأمر إنما هو محض شخصي وأن معظم الوسائل المتبعة لم تكن على قدر الفائدة المرجوة لأننا غفلنا الوسيلة العظمى التي هي الوحيدة القادرة على علاج هذه المعضلة ، ألا وهي القدوة الربانية ، فكل ما هو عليك فعله هو أن تبدأ بنفسك أولاً ، حتى إذا أردت أن تعلو بإيمان شخص آخر يسهل عليك رفعه وأنت في المستوى الأعلى بعكس الصعوبة التي تلاقيها وأنت تدفعه من أسفل ، وإلا فكيف تعطيه ما تفقده ، وكل الإناء ينضح بما فيه والفارغ لا ينضح بشئ ........!!

أقصد أن الإيمان ينتقل من شخص إلى آخر كالعدوى دون أي جهد منهما وأنه يكفيه منك أن بقلبه يشعر بقلبك وهو ينبض بالاستغفار والتسبيح والتحميد والتهليل ..... يكفيه منك أن يرى في وجهك نور قيام الليل وحدك بين يدي ربك تناديه وتناجيه وتتضرع إليه خوفاً وطمعاً........ يكفيه منك الكلمة في طاعة الله الغير مصطنعة والبعيدة عن التكلف والتشدق ...... يكفيه منك أن يلمس يدك بالسلام فيرجف بها قلبه مما لاقاه من صبغة الإيمان .... حقاً تكفيه منك القدوة الربانية وإن فقدها فلن تكفيه منك جُلِّ الخطب والمحاضرات والعبر والعظات التي تقولها بلسانك وهي أبعد ما تكون عن قلبك وسلوكك.

فهذا هو الطريق الأمثل للطفرة الإيمانية الربانية التي نرجوها لتكون هي الدافع الأقوى وبلا منازع لنهضة أمتنا الغالية لتناطح السحاب من جديد وتحجب بنورها ضوء الشمس وتبلغ بحجمها طخوم المشرق والمغرب.

في الحقيقة لا أرى غير هذا الطريق – وإن طال وصعب – طريقاً ولا غير هذا السلاح سلاحاً ، فمن رحمة الله تعالى علينا أن سخر لنا هذا السلاح الذي هو الأقوى على الإطلاق وفي ذات الوقت لا يمتلكه أحدٌ غيرنا وعلى الرغم من ذلك كله لا ننتصر به لا لشئ إلا لعيبٍ فينا على عدم إجادة استخدام هذا السلاح وذلك الدافع وعدم تفعيله ولا حسن التعامل معه وفهمه وفهم أبعاده ومتطلباته ، ثم لنقف بعد ذلك مكتوفي الأيد ونقول ليس لنا من الأمر شئ .... !!

أخيراً : إن مثل الإيمان كالسيف البتار المغوار الذي عمل فيه الزمن وأثر عليه الدهر بالصدأ والران فلم يعد يخرج من جرابه لشدة صدأه ، حتى إذا داهمك العدو بغتةً وكنت وقتها أحوج ما تكون إليه أردت إخراجه فلم يخرج ولو خرج فلن يقطع ، نعم لقد تخلى عنك سيفك في أحرج اللحظات لأنك تخليت عنه أولاً فلم تتعهده بالرعاية ولا العنايه وتركته للزمن يفعل به ما يشاء لذلك أخي الحبيب أهيب بك أن تتعهد إيمانك وقلبك بالرعاية والعناية ، بأن تؤدي الفرائض على أوقاهل وتقيمها كما أمر المولى عزوجل ، ثم تبحث داخل قلبك لتكتشف نوادره وعجائبه ونقاط ضعفه وعيوبه فتصلحها وتستخدم لها الدواء المناسب من كثرة ذكر الله والتذلل بين يديه والخضوع لأوامره وبالأخص أننا بإذن الله مقدمون على أيام الخيرات والبركات والعطايا من رب السماوات ، العشرة الأوائل من ذي الحجة ، لا تضيعها من بين يديك واستثمرها كما يستثمر رجال الأعمال أموالهم ، في التجارة الربانية ، وهي التجارة الرابحة بإذن الله.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل...

   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
2 + 1 = أدخل الكود
جديد المقالات
جديد المقالات
عمالقة 2011 - العالم اليوم
بصراحة حقيقة المشكلة في مصر - مقالات أ. حسنى عويدات
القائمة الرئيسية
استطلاع رأي
ماتقييمك لشكل الموقع الجديد ؟
جيد جدا
جيد
مقبول
يحتاج تطوير
عدد الزوار
انت الزائر :168897
[يتصفح الموقع حالياً [ 25
الاعضاء :0 الزوار :25
تفاصيل المتواجدون