| لا زالت القيادة السياسية المصرية تصر على استخدام مفاهيم سياسية في غير مواضعها الامر الذي يخرج بالأمور كلها عن سياقه الصحيح . فمصر تصر على ان ما حدث في غزة ما هو الا انقلاب على السلطة الشرعية (متمثلة في فتح او اي توجه آخر ايا كان طالما يعارض توجه حماس) وان ما فعلته حماس ادى الى تصعيد الامور وتضييق الخناق على اهل غزة واتاح الفرصة للآلة الصيهونية لتذيق فلسطينيي غزة الأمرين، وماذاك الا لأهداف فئوية او ايديولوجية في اجندة حماس لا تقبل النقاش او المساومة . اقول ذلك تعليقا على تصريحات الدكتور مصطفي الفقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشعب من أن مصر لن تسمح لحركة حماس بإقامة دولة إسلامية في غزة وأنها لا تتحمل وجود إمارة إسلامية على حدودها الشرقية واصفا ما يجري في غزة بأنه تنفيذ لاستراتيجية اسرائيلية هدفها نقل اجزاء من الشعب الفلسطيني للعيش في سيناء، وهو في ذلك يقبل بدلا منها بدولة صهيونية تهدد امننا القومي ليل نهار او قيادة فتحاوية يعمل بعض قادتها في تهريب التليفونات المحمولة!! ترى هل فكرنا لماذا اعتذرت حماس عن الحضور الى القاهرة للاجتماع بقيادات فتح برعاية مصرية بعد قبولها المشروط ببنود الورقة المصرية للمصالحة في الحوار الوطني الفلسطيني بشروط؟ الامر بسيط .. مصر لم تعد ذلك الوسيط النزيه بين الاطراف (وذلك منذ عقود وليس الأمر وليد اليوم) وهي حلقة جديدة في مسلسل انهيار الخارجية المصرية المتواصل منذ خروج عمرو موسى آخر وزير خارجية مصري قوي من المشهد السياسي المصري . واشتعلت الاحداث بصورة دراماتيكية وتعززت الشكوك في الدور المصري بعد كلمة وزير الخارجية السوري وليد المعلم والتي دعا فيها مصر إلى الوقوف على مسافة واحدة من حركتي حماس وفتح في الحوار الفلسطيني الذي ترعاه، في إشارة واضحة الى عدم نزاهة الوسيط المصري وانحيازه الى جانب فتح وردت مصر على دمشق بأن دعوة المعلم كان ينبغي أن توجه إلى سوريا نفسها، في تلميح إلى انحياز دمشق الى حماس. ورد المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، حسام زكي على الانتقادات السورية لمصر بأنها مجرد مزايدات لا تقبل بها مصر وأن مصر لا تتلقى دروساً من أحد ولا تتلقى من أي طرف عظات في كيفية التعامل مع القضية الفلسطينية. وكلما ازادت الازمة تعقيدا وانحت الدول العربية على مصر باللائمة تصاعدت اصوات القيادة السياسية المصرية قائلة بأن مصر حاربت من اجل فلسطين 3 حروب (كلام مغلوط تاريخيا) واننا لا نقبل المزايدة على الدور المصري التاريخي وان على من يريد التقدم بحل للقضية فليتفضل ليرينا قدراته في ذلك وان العرب يريدون لمصر ان تدخل حربا مع اسرائيل بينما يقفون منها موقف المتفرج .. وهو بالطبع ايضا كلام مغلوط ومردود عليه سياسيا وتاريخيا. دعونا نتفق دون مواربة او كلمات رنانة على ان مصر من المستحيل ان تقدم على خطوة قد تسبب ضررا لعلاقاتها بالولايات المتحدة او إسرائيل حتى وان كان ثمن ذلك الالتزام غير المعلن ان يموت كافة فلسطينيي غزة، عن بكرة ابيهم فالأنظمة العربية كلها تعيش في حالة ركود او شلل تام تجاه القضية الفلسطينية الى جانب خضوع غير عادي للشروط الامريكية زادت وتيرتها في ولايتي بوش الابن . لا يخفى على اي عاقل او متابع للاحداث في المنطقة ان عداء مصر لحماس مستمر وسيستمر ما دامت حماس في الواجهة والأسباب بسيطة .. مصر تتعامل مع حماس بوصفها فرع الأخوان المسلمين في الاراضي المحتلة .. والاخوان المسلمون هم أكبر صداع في رأس الانظمة المصرية منذ عقود واتضح الامر بصورة اكبر بعد فوز اخوان مصر بحوالي 88 مقعد في انتخابات مجلس الشعب عام 2005 ثم في انتخابات غزة التشريعية لعام 2006 التي فازت فيها حماس وسببت أرقا لمصر واسرائيل والولايات المتحدة بعد ان اتى بها الفلسطينيون في انتخابات نزيهة وبعد ما حدث في غزة عادت مصر ومعها باقي الاطراف لتطالب حماس بإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليها قبل الانتخابات . الحقيقة أن المطلوب هو ان تظل فتح في الواجهة لتواصل النقاش والحوار مع اسرائيل فيما يواصل قادتها تضخيم اموالهم في البنوك الاوربية (او يواصل بعضهم تهريب التليفونات المحمولة الى ان يلقى القبض عليه) وأنا بالفعل لا افهم ما اهمية وجود شخص مثل محمود عباس على رأس السلطة الفلسطينية وهو قد حمل الملف الفلسطيني بدون انقسام أكثر من عامين ولم يطرأ اي جديد في عهده على القضية بل لم نشعر ببصمة له تشي بوجوده اللهم الا بعض التصريحات العنترية التي تعلمها بفعل كونه رئيس عربي . وقبل ان يتهمني البعض بأنني اتجنى على فتح، فإنني اورد بعض الاحداث الموثقة لحوادث فساد بارقام خرافية للعديد من قيادات فتح . 1 - كانت لجنة الرقابة في المجلس التشريعي الفلسطيني في مايو عام 1997 قد أشارت إلى أن حجم المبالغ التي تمَّ الاستيلاء عليها جرَّاء الفساد المالي في حكومة فتح بلغ 326 مليونًا، من بينها 33 ألف دولار مصروفاتٍ لبناتِ أبو ردينة أثناء إقامتهم في بريطانيا . 2 - أكدت وثائق رسمية أن سلطات الاحتلال أجرت تحقيقًا مع أحد أباطرة النفط في الكيان، ويُدعَى عوفاد كوكو، والذي كان يدفع نصف مليون شيكل سنويًّا لمحمد دحلان، كما كان يدفع مبلغًا مماثلاً لجهاز الأمن الوقائي بالضفة، و400 ألف شيكل لرشيد أبو شباك النائب السابق لرئيس المخابرات الفلسطينية، وقد أظهرت التحقيقات أنَّ كلَّ تلك الأسماء متورِّطةٌ في إعداد فواتير بيع وهمية . 3 - كما كشفت وثائق رسمية أيضًا امتناعَ الاحتلال ذات مرة عن تقديم مبلغ مليون دولار لأحد المسئولين الفلسطينيين من أرباح معبر المنطار (كارني)، مشيرًا إلى أن تقرير لجنة الرقابة بالمجلس التشريعي الصادر عن شهر فبراير من العام 2006 أظهر اختفاء 315 مليون دولار من ميزانية السلطة، بينما كان التحقيق يجري وقتها في 700 مليون دولار أخرى مختفية . 4 - قام السفير الفلسطيني في رومانيا عدلي صادق بإرسال رسالة خطية إلى محمد دحلان من أجل التقصي عن كتاب حوالة لحساب أحمد قريع حيث كانت قيمة التحويل ثلاثة ملاين دولار، وأوضحت الوثيقة أن قريع تلقى حوالة مالية قدرها (ثلاثة ملاين دولار) من حساب مجهول بحسب ما وصفه المختصون في منظمة التحرير الفلسطينية وهو رقم 713/111444 عمّان، حيث استفاد من الحوالة كلا من أحمد قريع ومعه شخصان غير معروفين، وتظهر الوثيقة الخطية والتي كانت عبارة عن رسالة خطية بعثها صادق الى دحلان في تاريخ 31/1/2006 مدى تنفذ محمد دحلان على السفارات الفلسطينية في الخارج حيث وظف السفراء لخدمة أجندته الخاصة. نعلم ان أغلبية الدول العربية تدعم عباس وسلطته -والتى كانت ستفعل ما فعلته حماس لو ان حماس انتظرت يوما واحدا- هذه السلطة التي تقول إن المقاومة أمر عبثي ولايمكن ان يستمر فيها الفلسطينيون الى الابد وبالتالي لابد وأن تتولى فتح عباس ملف المفاوضات مرة أخرى وأخرى وأخرى إلى يوم الدين بمعنى اننا نعيد تجربة المجرب بالفعل والذي ثبت فشله على مدى عقود متتالية. ان مصر تعاقب حركة حماس بل تعاقب الفلسطينيين في قطاع غزة على اختيارهم الديمقراطي تماما كما تفعل الولايات المتحدة وإسرائيل، وما يحدث الآن من حصار تساعد فيه مصر دليل على ذلك.. فهل هذا هو الامن القومي بالنسبة لمصر ؟ هل امن مصر القومي ان تقوم باعتقال كل من يساهم في دعم قافلة تحاول الوصول الى من يموتون جوعا لنقص الغذاء والعلاج؟ ما الضير الذي يمثله مرور الاغذية والادوية على امن مصر القومي؟ ولماذا لم تتقدم جهة مصرية رسمية لتجهيز مثل تلك القافلة لتقطع الطريق على المزايدين عليها من مستقلين ومعارضة؟ هل على الفلسطينيين ان يقوموا بحفر الانفاق للوصول الى مصر للحصول على اسياسيات حياتهم ؟ لماذا تقوم مصر بمساعدة اجهزة امريكية حديثة بكشف الانفاق وهدمها إمعانا في الذل والمعاناة لهؤلاء القوم ان كانت مصر بالفعل مستقلة بقرارها السياسي؟ هل هذا هو دور الشقيقة الكبرى زعيمة الدول العربية .. دولة الريادة في كل شيء؟ والسؤال الذي يتبادر الى الذهن الآن و ماذا بعد ان توافق حماس على انتخابات مبكرة أو في موعدها ؟ فإما ان تفوز حماس مجددا فيعود الحصار والتجويع من جديد او ان تفوز فتح (فعليا او بانتخابات نزيهة كما تعرفون) لندخل من جديد في دوامة واي بلانتيشن و اوسلو وكامب ديفيد وتبدا من جديد رحلة العذاب للشعب الفلسطيني كتلك التي خاضها ما بين عامي 1993 و 2000. ان ما يحدث الآن هو استدراج لحماس لإعادة الأوضاع إلى ما قبل الانتخابات، كل السيناريو الذي يجري فقط من أجل أن تكون هناك انتخابات، وما يجب على حماس في الواقع هو ان تقدم الصراع الجاري في الساحة الفلسطينية بوصفه خلافا بين برنامجين، برنامج يؤمن بالمقاومة وبرنامج يرفضها ويوالي الاحتلال .. هكذا دون مواربة . دعونا نتذكر ما فعلته مصر وساندت به فتح ايما مساندة حتى ندحض كل قول باننا الطرف المحايد في القضية 1 - تدريب قوات فتح في مصر وامدادهم بالسلاح والعتاد . 2 - سحب الوفد الأمنى المصرى من غزة . 3 - الإدانة الرسمية المصرية (للإنقلاب ) فى غزة . 4 - الإعتراف بحكومة أبو مازن غير الشرعية التى شكلها فى رام الله . 5 - إحكام الحصار على قطاع غزة من الجانب المصرى وغلق معبر رفح الحدودى ورفض فتحه الا بموافقة أمريكية وصهيونية . 6 - بعد فتح ثغرة على الحدود المصرية مع قطاع غزة وتدفق مئات الآلاف من الفلسطينيين على العريش لشراء حاجاتهم والعودة شن الإعلام المصرى الرسمى هجوما ضاريا على حماس والفلسطينيين بدعوى تهديد الأمن القومى المصرى وصل الى وصف الفلسطينيين بأنهم أخطر على مصر من اليهود وصرح أبوالغيط وزير الخارجية المصرى بأنه سيكسر قدم الفلسطينيين اذاحاولوا مرة أخرى عبور الحدود . 8 - اعتقلت قوات الأمن المصرية العشرات من أعضاء حماس كانوا قد دخلوا الحدود مع الآلاف للتزود بالحاجات الملحة وتم تعذيبهم بقسوة فى مقار مباحث أمن الدولة واستجوابهم للحصول على معلومات خطيره حول مكان الجندى الصهيونى الأسير جلعاد شاليت وتحركات اسماعيل هنية ووسائل التصنيع العسكرى لدى المقاومة. 9 - تشديد الحصار على غزة ببناء جدار ارتفاعه 3 أمتار على طول الحدود مع القطاع بلغت تكلفته 450 مليون جنيها (قد تكون بدعم امريكي او من جيب دافع الضرائب المصري) وتعزيز قوات حرس الحدود ب 1200 جندى من الأمن المركزى مدججين بالسلاح. 10 - حملة مزيفة شنتها الصحف الحكومية على مايزعم أنها خلية اخوانية لتصنيع طائرات بدون طيار لإرسالها حركة حماس فى غزة لتنتهى القضية الى لا شيء بالطبع واخيرا لعلنا نتذكر الفضيحة التي نشرتها مجلة فانيتي فير عن وثائق رسمية تثبت مساعدة الولايات المتحدة لفتح بملايين الدولارات والسلاح لضرب حماس ونفذت الخطة وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس ونائب مستشار الأمن القومي إيليوت أبرامز ودعت الخطة حلفاء واشنطن في المنطقة إلى إيصال أسلحة ورواتب إلى مقاتلي فتح الذين سيتولون قيادة ثورة على حماس واستعادة السيطرة على غزة . وتؤكد المجلة في تحقيقها الموثق أن رايس لعبت دورا رئيسيا في محاولة إقناع مصر والأردن والسعودية والإمارات العربية المتحدة بتدريب وتمويل عناصر من فتح مشيرة إلى أن المسؤولين الإسرائيليين اعترفوا في ديسمبر2006 بأن مصر أرسلت أسلحة لحركة فتح في غزة اضافة الى خطة اخرى تدعو الى اضافة 4700 عنصر إلى قوات فتح وإخضاعهم لمزيد من التدريبات في الأردن ومصر. هل بعد كل ما سبق لازلنا نراهن على نزاهة الوسيط المصري؟ |