عاش عياش لنعيش

عرض المقال
عاش عياش لنعيش
481 زائر
09-01-2009

للوهلة الأولى كانت المفاجأة صادمة بالنسبة لي، فطالب الجامعة الذي قابلته صدفة والذي يعتبر نفسه من طلاب التيار الإسلامي لم يكن يعرف من هو صاحب الصورة التي تعلو الكتاب أمامي، في البداية ظننتها مزحة فلم أكن لأتخيل أن أبطالا بهذا الحجم يمكن أن تمسحهم الأيام من الذاكرة وخصوصا في ظل ما تحياه الأمة من مأساة غير مسبوقة في قطاع غزة، ولكن بعد اكتشافي للحقيقة أدركت أن ثمة أجيالا قد ولدت ونشأت في العقدين الأخيرين واستطاع الإعلام أن يلعب دورا هائلا ومحوريا في تشكيل الصورة الذهنية لهم بشكل مختلف .

ولعل ذلك ما يدعونا أن نتوقف قليلا أمام حياة هذا البطل الذي تحل الذكرى الثالثة عشر لاستشهاده في الخامس من يناير، وهي الذكرى التي صنعت علامة فارقة في تاريخ النضال الفلسطيني ليغادر عالمنا بعد أن سطر ملحمة تاريخية خالدة من أجل دينه ووطنه وترك خلفه جيشاً من المبدعين في المقاومة هم من يتصدون الآن للمقاومة في فلسطين ويسقط منهم مئات الشهداء وآلاف الجرحى في محرقة غزة ، انه "يحي عياش".. مؤسّس مدرسة الاستشهاديين وناقل المعركة إلى عقر دار الصهاينة.

فحين يكتب تاريخ فلسطين بأيد منصفة وأمينة ستدرك الأجيال المتعاقبة أن يحيى عياش أو المهندس (وهو اللقب الذي منحه إياه " اسحق رابين " وعرف به في حياته)، كان من الشخصيات الفريدة في عطائها وقدرتها على المبادرة والتجديد، بالدرجة التي تستحق أن نقف عندها وقفة متأملة فاحصة نستطلع حياتها ونستخلص العبر من مسيرة عطائها الحافلة بالتضحيات في سبيل الرسالة التي آمنت بها ونذرت نفسها وحياتها لتحقيقها.

لم يكن "عياش" إنسانا عادياً ولا شخصاً محدود القدرات والمواهب بل كان رجلاً فذاً ومجاهداً متمرساً وقائداً صلباً ، ولد في قرية "رافات" بجنين عام 1966 ، حيث نشأ على دراسة العلوم الإسلامية وحفظ القرآن الكريم في السادسة من عمره، وتفوق في الشهادة الثانوية مما دفعه لدراسة الهندسة الكهربائية في جامعة" بيرزيت"، وبعد تخرجه حاول الحصول على تصريح خروج للسفر إلى الأردن لإتمام دراسته العليا حيث رفضت السلطات الإسرائيلية طلبه ، وقد عقب على ذلك (يعكوف بيرس) رئيس المخابرات آنذاك بالقول: " لو كنا نعلم أن (المهندس) سيفعل ما فعل لأعطيناه تصريحاً ، بالإضافة إلى مليون دولار"

ولئن جسد "يحيى عياش" حالة الشاب القروي البسيط الذي كان من الممكن أن يكون كغيره من الآلاف الذين يحملون الشهادة الجامعية مهندسا عاديا يعمل في إحدى الشركات ويتقاضى راتبا مرتفعا في إحدى الدول، إلا أن بطلنا تغاضى عن هذا كله وقفز فوق كل الحواجز وتمسك بقضيته فكانت المقاومة والجهاد حبه الكبير الذي أعطاه عصارة أفكاره وعاطفته مجسدا في الوقت نفسه القدرة على الفعل الحقيقي بعيدا عن الأضواء.

لبى "عياش" دعوة الإخوان المسلمين وانضم للجماعة في العام 1985،وحينما انفتح الأفق لحركة المقاومة الإسلامية حماس كانت هذه المجموعات في طليعة السواعد الرامية خلال سنوات الانتفاضة الأولى، حيث انضم إلى كتائب الشهيد عز الدين القسام لتصبح مهمته قيادة العمليات الاستشهادية للمرة الأولى من خلال إعداد السيارات المفخخة والعبوات شديدة الانفجار، ويصل مجموع ما قتل بيد (المهندس) وتلاميذه إلى ستة وسبعين إسرائيليا وجرح ما يزيد عن أربعمائة آخرين ، وهذا رقم قياسي لم ينازعه فيه أحد.

وطوال أربع سنوات من المطاردة عاشها "يحي" بكل ما تحمل من تحدي وخطورة ، جندت إسرائيل جميع أجهزة الدولة للبحث عنه في كل مكان ، فتم التنبيه على الأهالي للتحذير من مساعدته، إضافة إلى توزيع صوره على جميع عناصر الجيش الإسرائيلي، حتى بلغ الهوس الإسرائيلي ذروته حين صرح (رابين) : " أخشى أن يكون جالساً بيننا في الكنيست " ، هذا الهوس لم يطل رابين فحسب بل غدا كابوساً يتسلل إلى مضاجع الصهاينة ، فأكثر من 80% من سكانهم يخافون استخدام المواصلات العامة ، واشتكى أكثر من عشرين ألف إسرائيلي من أمراض نفسية نتجت عن عمليات التفجير، ليعترف الجميع وعلى رأسهم رئيس وزراء إسرائيل بقوله : " لا شك أن (المهندس) يمتلك قدرات خارقة لا يملكها غيره، وإن استمرار وجوده طليقاً يمثل خطراً داهماً على أمن إسرائيل واستقرارها "، أما (موشيه شاحل) وزير الأمن الداخلي آنذاك فقال : " لا أستطيع أن اصف المهندس يحيى عياش إلا بالمعجزة ، فدولة إسرائيل بكافة أجهزتها لا تستطيع أن تضع حلاً لتهديداته " .

وتأتي اللحظات الأخيرة في حياة عياش بعدما علم جهاز الأمن الداخلي بمكانه في غزة من خلال أحد العملاء والذي وضع له مادة متفجرة وصلت إلى 50 جم في هاتف محمول، وتم تفجيره عن طريق طائرة كانت تحلق في نفس الوقت ، فتناثرت أشلاء عياش بعدما قطعت رقبته وتمزق نصف وجهه الأيمن حيث كان الهاتف.

وما أن انتشر خبر استشهاد المهندس حتى سادت أنحاء فلسطين حالة من الغليان ، وخرجت مئات الآلاف من الجماهير لوداعه، وأعلنت إسرائيل حالة الطوارئ ، ولم تخف فرحتها العظمى بهذا الخبر ، حيث صرح رئيس المخابرات بالقول : " موت عياش وضع حداً لأخطر وأعنف المحاربين الذين عرفناهم "، فيما صرح وزير الأمن الداخلي بالقول: " بتنا نتنفـس بشكل أفضل بعد إعلان موته ".

ولم يكن بوسع كتائب القسام أن تترك هذا الامتهان الإسرائيلي دون رد، فبعد خمسين يوماً بالضبط من استشهاده بدأت سلسلة هجمات استشهادية سقط فيها ما يقرب من ستين قتيلاً إسرائيلياً عدا عشرات الجرحى، ليكون ذلك إيذانا بمرحلة جديدة أصبح فيها الشعب الفلسطيني كله يحيى، وصار يحيى الشعب كله.

يا سادة.. إن مثل هؤلاء الأبطال لا يموتون، ينتقلون من حياة إلى حياة، ومن دار إلى دار... كما الطير يسرح في فضاء لا حدود له ، وما أحوجنا في ظل المناخ المتأزم حاليا والعدوان الإسرائيلي المستمر على غزة وسقوط الآلاف ما بين شهيد وجريح أن نتذكر "عياش" وإخوانه فهم رجال عاشوا حياة مختلفة تستحق منا على الأقل أن نتذكرهم ونحتفي بهم.

   طباعة 
التعليقات : تعليق
« إضافة تعليق »
اضافة تعليق
اسمك
ايميلك

/500
تعليقك
9 + 2 = أدخل الكود
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
المقال السابقة
المقالات المتشابهة المقال التالية
جديد المقالات
جديد المقالات
عمالقة 2011 - العالم اليوم
بصراحة حقيقة المشكلة في مصر - مقالات أ. حسنى عويدات
القائمة الرئيسية
استطلاع رأي
ماتقييمك لشكل الموقع الجديد ؟
جيد جدا
جيد
مقبول
يحتاج تطوير
عدد الزوار
انت الزائر :169004
[يتصفح الموقع حالياً [ 26
الاعضاء :0 الزوار :26
تفاصيل المتواجدون